تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
فشل وتنازع ، وعصى . لأن هذه الأفعال لم تصدر من كلهم ، بل من بعضهم كما ذكرناه في أول الكلام على هذه الآية . وقال أبو بكر الرازي : دلت هذه الآية على تقدم وعد اللّه تعالى للمؤمنين بالنصر على عدوهم ما لم يعصوا بتنازعهم وفشلهم ، وكان كما أخبر به هزموهم وقتلوا ، ودل ذلك على صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النبي بأن الإخبار بالغيوب من خصائص الربوبية وصفات الألوهية لا يطلع عليها إلا من أطلعه اللّه عليها ، ولا ينتهي علمنا إلينا إلا على لسان رسول يخبر بها عن اللّه تعالى .
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
قال ابن عباس وجمهور المفسرين : الدنيا الغنيمة . وقال ابن مسعود ، ما شعرنا أن أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ، والذين أرادوا الآخرة هم الذين ثبتوا في مركزهم مع أميرهم عبد اللّه بن جبير في نفر دون العشرة قتلوا جميعا ، وكان الرماة خمسين ذهب منهم نيف على أربعين للنهب وعصوا الأمر . وممن أراد الآخرة من ثبت بعد تخلخل المسلمين فقاتل حتى قتل ، كأنس بن النضر وغيره ممن لم يضطرب في قتاله ولا في دينه . وهاتان الجملتان اعتراض بين المعطوف عليه والمعطوف .
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
أي جعلكم تنصرفون .
لِيَبْتَلِيَكُمْ
أي ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها . وقيل : صرفكم عنهم أي لم تتماد الكسرة عليكم فيستأصلوكم . وقيل : المعنى لم يكلفكم طلبهم عقيب انصرافهم . وتأولته المعتزلة على معنى : ثم انصرفتم عنهم ، فإضافته إلى اللّه تعالى بإخراجه الرعب من قلوب الكافرين ابتلاء للمؤمنين . وقيل : معنى ليبتليكم أي لينزل بكم ذلك البلاء من القتل والتمحيص .
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ
قيل : عن عقوبتكم على فراركم ، ولم يؤاخذكم به . وقيل : برد العدو عنكم . وقيل : بترك الأمر بالعود إلى قتالهم من فوركم . وقيل : بترك الاستئصال بعد المعصية والمخالفة . فمعنى عفا عنكم أبقى عليكم . قال الحسن : قتل منهم جماعة سبعون ، وقتل عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وشج وجهه وكسرت رباعيته . وإنما العفو إن لم يستأصلهم هؤلاء مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وفي سبيل اللّه غضاب للّه