تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
عبيد بن عمير تحسونهم رباعيا من الإحساس ، أي تذهبون حسهم بالقتل . وتمني القتل بوقت الفشل وهو : الجبن ، والضعف . والتنازع وهو التجاذب في الأمر . وهذا التنازع صدر من الرماة . كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد رتب الرماة على فم الوادي وقال : « اثبتوا مكانكم ، وإن رأيتمونا هزمناهم ، فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم » ووعدهم بالنصر إن انتهوا إلى أمره . فلما انهزم المشركون قال بعض الرماة : قد انهزموا فما موقفنا هنا ؟ الغنيمة الغنيمة ، الحقوا بالمسلمين . وقال بعضهم : بل نثبت مكاننا كما أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : التنازع هو ما صدر من المسلمين من الاختلاف حين صيح أن محمدا قد قتل . والعصيان هو ذهاب من ذهب من الرماة من مكانه طلبا للنهب والغنيمة ، وكان خالد حين رأى قلة الرماة صاح في خيله وحمل على من بقي من الرماة فقتلهم ، وحمل على عسكر المسلمين فتراجع المشركون ، فأصيب من المسلمين يومئذ سبعون رجلا .
مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
، وهو ظفر المؤمنين وغلبتهم . قال الزبير بن العوام : لقد رأيتني انظر إلى خدم هند وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير ، إذ مالت الرماة إلى العسكر يريدون النهب ، وخلوا ظهورنا للخيل ، فأتينا من أدبارنا وصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد قتل ، فانكفأنا وانكفأ القوم علينا . وإذا في قوله : إذا فشلتم ، قيل : بمعنى إذ ، وحتى حرف جر ولا جواب لها إذ ذاك ، ويتعلق بتحسونهم أي : تقتلونهم إلى هذا الوقت . وقيل : حتى حرف ابتداء دخلت على الجملة الشرطية ، كما تدخل على جمل الابتداء والجواب ملفوظ به وهو قوله : وتنازعتم على زيادة الواو ، قاله : الفراء وغيره . وثم صرفكم على زيادة ثم ، وهذان القولان واللذان قبلهما ضعاف . والصحيح : أنه محذوف لدلالة المعنى عليه ، فقدره ابن عطية : انهزمتم . والزمخشري : منعكم نصره ، وغيرهما : امتحنتم . والتقادير متقاربة . وحذف جواب الشرط لفهم المعنى جائز لقوله تعالى :
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ
« 1 » تقديره فافعل ويظهر أن الجواب المحذوف غير ما قدروه وهو : انقسمتم إلى قسمين . ويدل عليه ما بعده ، وهو نظير :
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
« 2 » التقدير : انقسموا قسمين : فمنهم مقتصد لا يقال : كيف ، يقال : انقسموا فيمن
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 35 . ( 2 ) سورة لقمان : 31 / 32 .