تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
وتألفت عليه بعد العداوة المفرطة والحروب التي كانت بينهم ، ولما تقدم أنه أمرهم بالاعتصام بحبل اللّه - وهو الدين - ونهاهم عن التفرق - وهو أمر ونهي ، بديمومة ما هم عليه إذ كانوا معتصمين ومؤتلفين - ذكرهم بأنّ ما هم عليه من الاعتصام بدين الإسلام وائتلاف القلوب إنما كان سببه إنعام اللّه عليهم بذلك . إذ حصل منه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم المستلزمة بحصول الفعل ، فذكر بالنعمة الدنيوية والأخروية . أما الدنيوية فتألف قلوبهم وصيرورتهم إخوة في اللّه متراحمين بعد ما أقاموا متحاربين متقاتلين نحوا من مائة وعشرين سنة إلى أن ألف اللّه بينهم بالإسلام . وكان أعني - الأوس والخزرج - جداهم أخوان لأب وأم . وأما الأخروية فإنقاذهم من النار بعد أن كانوا أشفوا على دخولها . وبدأ أولا بذكر النعمة الدنيوية لأنّها أسبق بالفعل ، ولاتصالها بقوله :
وَلا تَفَرَّقُوا
وصار نظير
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ
« 1 » ومعنى فأصبحتم ، أي صرتم . وأصبح كما ذكرنا في المفردات تستعمل لاتصاف الموصوف بصفته وقت الصباح ، وتستعمل بمعنى صار ، فلا يلحظ فيها وقت الصباح بل مطلق الانتقال والصيرورة من حال إلى حال . وعليه قوله :
أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا
قال ابن عطية : فأصبحتم عبارة عن الاستمرار ، وإن كانت اللفظة مخصوصة بوقت ما ، وإنما خصت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث هي مبتدأ النهار ، وفيها مبدأ الأعمال . فالحال التي يحسبها المرء من نفسه فيها هي الحال التي يستمر عليها يومه في الأغلب ، ومنه قول الربيع بن ضبع :
أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا
وهذا الذي ذكره : من أن أصبح للاستمرار ، وعلّله بما ذكره لا أعلم أحدا من النحويين ذهب إليه ، إنما ذكروا أنها تستعمل على الوجهين اللذين ذكرتهما . وجوز الحوفي في « إذ » أن ينتصب باذكروا ، وجوز غيره أن ينتصب بنعمة . أي إنعام اللّه ، وبالعامل في عليكم . إذ جوزوا أن يكون حالا من نعمة ، وجوزوا أيضا تعلق عليكم بنعمة ، وجوزوا في أصبحتم أن تكون ناقصة والخبر بنعمته والباء ظرفية وإخوانا حال يعمل فيها أصبح ، أو ما تعلق به الجار والمجرور . وأن يكون إخوانا خبر أصبح والجار حال يعمل فيه أصبح ، أو
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 106 .