تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
إضلالهم ، أمرهم بمجامع الطاعات ، فرهبهم أولا بقوله : اتقوا اللّه ، إذ التقوى إشارة إلى التخويف من عذاب اللّه ، ثم جعلها سببا للأمر بالاعتصام بدين اللّه ، ثم أردف الرهبة بالرغبة ، وهي قوله :
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وأعقب الأمر بالتقوى والأمر بالاعتصام بنهي آخر هو من تمام الاعتصام . قال ابن مسعود ، والربيع ، وقتادة ، والحسن : حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر . وروي مرفوعا . وقيل : حق تقاته اتقاء جميع معاصيه . وقال قتادة ، والسدي ، وابن زيد ، والربيع : هي منسوخة بقوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
« 1 » أمروا أولا بغاية التقوى حتى لا يقع إخلال بشيء ثم نسخ . وقال ابن عباس ، وطاوس : هي حكمة .
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
بيان لقوله : اتقوا اللّه حق تقاته . وقيل : هو أن لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو ابنه أو أبيه . وقيل : لا يتقي اللّه عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه . وقال ابن عباس : المعنى جاهدوا في اللّه حق جهاده . وقال الماتريدي : وفي حرف حفصة اعبدوا اللّه حق عبادته . وتقاة هنا مصدر ، وتقدم الكلام عليه في
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
« 2 » . قال ابن عطية : ويصح أن يكون التقاة في هذه الآية جمع فاعل وإن كان لم يتصرف منه ، فيكون : كرماة ورام ، أو يكون جمع تقي ، إذ فعيل وفاعل بمنزلة . والمعنى على هذا : اتقوا اللّه كما يحق أن يكون متقوه المختصون به ، ولذلك أضيفوا إلى ضمير اللّه تعالى انتهى كلامه . وهذا المعنى ينبو عنه هذا اللفظ ، إذ الظاهر أنّ قوله : حقّ تقاته من باب إضافة إلى موصوفها ، كما تقول : ضربت زيدا شديد الضرب ، أي الضرب الشديد . فكذلك هذا أي اتقوا اللّه الاتقاء الحق ، أي الواجب الثابت . أما إذا جعلت التقاة جمعا فإنّ التركيب يصير مثل : اضرب زيدا حق ضرابه ، فلا يدل هذا التركيب على معنى : اضرب زيدا كما يحق أن يكون ضرابه . بل لو صرح بهذا التركيب لاحتيج في فهم معناه إلى تقدير أشياء يصح بها المعنى ، والتقدير : اضرب زيدا ضربا حقا كما يحق أن يكون ضرب ضرابه . ولا حاجة تدعو إلى تحميل اللفظ غير ظاهره وتكلف تقادير يصح بها معنى لا يدل عليه ظاهر اللفظ .
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
ظاهره النهي عن أن يموتوا إلا وهم متلبسون بالإسلام . والمعنى : دوموا على الإسلام حتى يوافيكم الموت وأنتم عليه . ونظيره ما حكى
هامش
( 1 ) سورة التغابن : 64 / 16 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 28 .