تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
عن الإسلام ويصيروا كافرين حقيقة . وانتصاب كافرين على أنه مفعول ثان ليردّ ، لأنها هنا بمعنى صير كقوله :
فرد شعورهنّ السود بيضا * وردّ وجوههنّ البيض سودا
وقيل : انتصب على الحال ، والقول الأول أظهر .
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ
هذا سؤال استبعاد وقوع الكفر منهم مع هاتين الحالتين : وهما تلاوة كتاب اللّه عليهم وهو القرآن الظاهر الإعجاز ، وكينونة الرسول فيهم الظاهر على يديه الخوارق . ووجود هاتين الحالتين تنافي الكفر ولا تجامعه ، فلا يتطرّق إليهم كفر مع ذلك . وليس المعنى أنه وقع منهم الكفر فوبخوا على وقوعه لأنهم مؤمنون ، ولذلك نودوا بقوله : يا أيها الذين آمنوا . فليس نظير قوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
« 1 » والرسول هنا : محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بلا خلاف . والخطاب قال الزجاج : لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان فيهم وهم يشاهدونه . وقيل : لجميع الأمة ، لأن آثاره وسنته فيهم ، وإن لم يشاهدوه . قال قتادة : في هذه الآية علمان بينان : كتاب اللّه ، ونبي اللّه . فأما نبي اللّه فقد مضى ، وأما كتاب اللّه فأبقاه اللّه بين أظهرهم رحمة منه ونعمة فيه ، حلاله وحرامه ، وطاعته ومعصيته . وقيل : الخطاب للأوس والخزرج الذين نزلت هذه الآية فيما شجر بينهم على ما ذكره الجمهور . وقرأ الجمهور تتلى بالتاء . وقرأ الحسن والأعمش : يتلى بالياء ، لأجل الفصل ، ولأن التأنيث غير حقيقي ، ولأن الآيات هي القرآن . قال ابن عطية : وفيكم رسوله هي ظرفية الحضور والمشاهدة لشخصه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في أمّته إلى يوم القيامة بأقواله وآثاره . وقال الزمخشري : وكيف تكفرون معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجيب ، والمعنى : من أين يتطرّق إليكم الكفر ، والحال أن آيات اللّه وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان الرسول غضة طرية وبين أظهركم رسول اللّه ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم ؟ .
وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
قال ابن جريج : ومن يؤمن باللّه . ويناسب هذا القول قوله :
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ
« 2 » . وقيل : يستمسك بالقرآن . وقيل : يلتجئ عليه ، فيكون على هذا القول حقا على الالتجاء إلى اللّه في دفع شرور الكفار . وجواب من
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 28 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 101 .