تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
الاتصال والانقطاع ، فإن كان متصلا كان التقدير : إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه فحرم عليهم في التوراة ، فليست فيها الزوائد التي افتروها وادعوا تحريمها . وإن كان منقطعا كان التقدير : لكنّ إسرائيل حرم ذلك على نفسه خاصة ، ولم يحرمه اللّه على بني إسرائيل . والاتصال أظهر . وظاهر قوله : على نفسه ، أن ذلك باجتهاد منه لا بتحريم من اللّه تعالى . واستدل بذلك على أن للأنبياء أن يحرموا بالاجتهاد . وقيل : كان تحريمه بإذن اللّه تعالى . وقيل : يحتمل أن يكون التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا . وقال الأصم : لعل نفسه كانت مائلة إلى تلك الأنواع فامتنع من أكلها قهرا للنفس وطلبا لمرضاة اللّه كما يفعله كثير من الزهاد ، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم . واختلفوا في سبب التحريم للطعام الذي حرمه إسرائيل على بنيه ومن بعدهم من اليهود ، وهذا إذا قلنا : بأنّ الاستثناء متصل . أمّا إذا كان منقطعا فلم يحرّم عليهم . وقال عطية : حرمها عليهم بتحريم إسرائيل ، ولم يكن محرما في التوراة ، وروي عن ابن عباس أن يعقوب قال : « إن عافاني اللّه لا يأكله لي ولد . وقال الضحاك : وافقوا أباهم في تحريمه ، لا أنه حرم عليهم بالشرع ، ثم أضافوا تحريمه إلى الشرع فأكذبهم اللّه تعالى . وقال ابن السائب : حرمه اللّه عليهم بعد التوراة لا فيها ، وكانوا إذا أصابوا ذنبا عظيما حرّم به عليهم طعام طيب ، أو صبّ عليهم عذاب ، ويؤكده « فبظلم » « 1 » الآية . وقيل : لم يحرم عليهم قبل نزول التوراة ولا بعدها ، ولا بتحريم إسرائيل عليهم ، ولا لموافقته بل قالوا ذلك تحرضا وافتراء . وقال السدي : لما أنزل اللّه التوراة حرّم عليهم ما كانوا يحرّمون على أنفسهم قيل نزولها . قال الزمخشري : والمعنى أنّ المطاعم كلها لم تزل حلالا لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة ، وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم ، لم يحرم منها شيء قبل ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه ، فتبعوه على تحريمه وهو ردّ على اليهود وتكذيب لهم حيث أرادوا براءة ساحتهم بما نعى عليهم في قوله :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ
« 2 » الآية . وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه وامتعضوا . فما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم فقالوا : لسنا بأول من حرمت عليه ، وما
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 160 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 160 .