تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
قلت : الفائدة فيها جليلة ، وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار ، وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال ، وأشدّها . ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة ؟ انتهى كلامه . وقرأ عكرمة : لن نقبل ، بالنون ، توبتهم ، بالنصب ، والضالون المخطئون طريق الحق والنجاة في الآخرة ، أو : الهالكون ، من : ضل اللبن في الماء إذا صار هالكا . والواو في : وأولئك ، للعطف إما على خبر إن ، فتكون الجملة في موضع رفع ، وإما على الجملة من : إن ومطلوبيها ، فلا يكون لها موضع من الاعراب . وذكر الراغب قولا : إن الواو في : وأولئك ، واو الحال ، والمعنى : لن تقبل توبتهم من الذنوب في حال أنهم ضالون ، فالتوبة والضلال متنافيان لا يجتمعان . انتهى هذا القول . وينبو عن هذا المعنى هذا التركيب ، إذ لو أريد هذا المعنى لم يؤت باسم الإشارة ، ويجوز في : هم ، الفصل ، والابتداء ، والبدل .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً
قرأ عكرمة : فلن نقبل ، بالنون و : ملء ، بالنصب . وقرئ : فلن يقبل بالياء مبنيا للفاعل ، أي فلن يقبل اللّه . و : ملء ، بالنصب . وقرأ أبو جعفر ، وأبو السمال : مل الأرض ، بدون همز ، ورويت عن نافع ، ووجهه أنه نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبل ، وهو اللام ، وحذفت الهمزة ، وهو قياس في كل ما كان نحو هذا ، وأتى بلفظ : أحدهم ، ولم يأت بلفظ : منهم ، لأن ذلك أبلغ وأنص في المقصود ، إذ كان : منهم ، يحتمل أن يكون يفيد الجميع . وانتصاب : ذهبا ، على التمييز ، وفي ناصب التمييز خلاف ، وسماه الفراء : تفسيرا ، لأن المقدار معلوم ، والمقدّر به مجمل . وقال الكسائي : نصب على إضمار : من ، أي : من ذهب ، كقوله :
أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً
« 1 » أي : من صيام . وقرأ الأعمش : ذهب ، بالرفع . قال الزمخشري : ردّ على : ملء ، كما يقال عندي عشرون نفسا رجال . انتهى . ويعني بالردّ : البدل ، ويكون من بدل النكرة من المعرفة ، لأن : ملء الأرض ، معرفة ولذلك ضبط
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 95 .