تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
لا يثيبهم على أعمالهم من الخير ، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب . قال ابن عطية : وهذا قول حسن . انتهى . وقال الزمخشري : ويجوز أن يراد : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا كان قد تصدّق به ، ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه . انتهى . وهذا معنى قول الزجاج ، إلّا أنه لم يقيد الافتداء بالآخرة . وحكى صاحب ( ري الظمآن ) وغيره عن الزجاج أنه قال : معنى الآية : لو افتدى به في الدنيا مع إقامته على الكفر لن يقبل منه ، والذي يظهر أن انتفاء القبول ، ولو على سبيل الفدية ، إنما يكون ذلك في الآخرة . وبينه ما ثبت في ( صحيح ) البخاري من حديث أنس : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يحاسب الكافر يوم القيامة ، فيقال له : أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به ؟ فيقول : نعم ، فيقال له : قد كنت سئلت أيسر من ذلك » . وهذا الحديث يبين أن قوله :
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ
هو على سبيل الفرض والتقدير أي : لو أن الكافر قدر على أعز الأشياء ، ثم قدر على بذله ، لعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب اللّه . والمعنى : أنهم آيسون من تخليص أنفسهم من العذاب . فهو نظير
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
« 1 » ونظير
يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي
« 2 » الآيتين ، وعلى هذا يبعد ما قاله الزجاج من أن يكون المعنى : أنهم لو أنفقوا في الدنيا ملء الأرض ذهبا لم يقبل ذلك ، لأن الطاعة مع الكفر لا تكون مقبولة . وافتدى : افتعل من الفدية . قيل : وهو بمعنى فعل ، كشوى واشتوى ، ومفعوله محذوف ، ويحتاج في تعدية افتدى إلى سماع من العرب ، والضمير في : به ، عائد على : ملء الأرض ، وهو : مقدار ما يملؤها ، ويوجد في بعض التفاسير أنه عائد على : الملء ، أو : على الذهب . فقيل : على الذهب غلط . وقال الزمخشري : ويجوز أن يراد : ولو افتدى بمثله ، لقوله :
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ
« 3 » والمثل يحذف كثيرا في كلامهم ، كقولك : ضربت ضرب زيد ، تريد : مثل ضربه وأبو يوسف أبو حنيفة ، تريد : مثله . ولا هيثم الليلة للمطي
هامش
( 3 - 1 ) سورة الزمر : 39 / 47 . ( 2 ) سورة المعارج : 70 / 11 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 257 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل