تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وفي حديث الشاب الذي أتى به ليتعلم من سحر الساحر ، فترك الساحر ودخل في دين عيسى وتعبد به ، فصار يبرئ الأكمه والأبرص ، وفيه انه دعا لجليس الملك وابن عمه ، وكان أعمى ، فردّ اللّه عليه بصره .
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
هي من تسمية الشيء باسم أصله . كقوله
اللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
« 1 » كان ترابا ثم صار طينا وخلق منه آدم . كما قال :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
« 2 » وقال تعالى :
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ
« 3 » وقال :
قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً
« 4 » . والضمير المنصوب في : خلقه ، عائد على آدم ، وهذه الجملة تفسيرية لمثل آدم ، فلا موضع لها من الإعراب . وقيل : هي في موضع الحال ، وقدر مع خلقه مقدرة ، والعامل فيها معنى التشبيه . قال ابن عطية : ولا يجوز أن يكون خلقه صفة لآدم ولا حالا منه . قال الزجاج : إذ الماضي لا يكون حالا أنت فيها ، بل هو كلام مقطوع منه مضمنه تفسير المثل . انتهى كلامه . وفيه نظر ، والمعنى : قدره جسدا من طين
ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ
أي أنشأه بشرا ، قاله الزمخشري ، وسبقه إلى معناه أبو مسلم . قلنا : ولو كان الخلق بمعنى الإنشاء ، لا بمعنى التقدير ، لم يأت بقوله :
ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ
لأن ما خلق لا يقال له : كن ، ولا ينشأ إلّا إن كان معنى
ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ
عبارة عن نفخ الروح فيه ، وقاله عبد الجبار . فيمكن أن يكون خلقه بمعنى أنشأه لا بمعنى قدّره . قيل : أو يكون : كن ، عبارة عن كونه لحما ودما ، وقوله : فيكون ، حكاية حال ماضية ولا قول هناك حقيقة ، وإنما ذلك على سبيل التمثيل ، وكناية عن سرعة الخلق والتمكن من إيجاد ما يريد تعالى إيجاده ، إذ المعدوم لا يمكن أن يؤمر . و : ثم ، قيل لترتيب الخبر ، لأن قوله : كن ، لم يتأخر عن خلقه ، وإنما هو في المعنى تفسير للخلق ، ويجوز أن يكون للترتيب الزماني أي : أنشأه أولا من طين ، ثم بعد زمان أوجد فيه الروح أن صيره لحما ودما على من قال ذلك . وقال الراغب : ومعنى : كن . بعد : خلقه من تراب : كن إنسانا حيا ناطقا ، وهو لم
هامش
( 1 ) سورة فاطر : 35 / 11 . وغافر : 40 / 67 ( 2 ) سورة المؤمنون : 23 / 12 . ( 3 ) سورة ص : 38 / 71 . ( 4 ) سورة الإسراء : 17 / 61 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 186 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل