تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
ذلك ، لأنه خص فيه مريم وابنها عيسى دون سائر الأنبياء ، ولأنه لو وجد المس لنفي أثره ، ولو نفي لدام الصراخ والبكاء ، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلان هذا الحديث . وقال الزمخشري : وما يروى في الحديث : « ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلّا مريم وابنها » . فاللّه أعلم بصحته ، فإن صح فمعناه : أن كل مولود يطمع الشيطان في اغوائه إلّا مريم وابنها ، فإنهما كانا معصومين . وكذلك كل من كان في صفتهما لقوله :
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *
« 1 » واستهلاله صارخا من مسه ، تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول : هذا ممن أغويه ، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي :
لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ، ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه . انتهى كلامه . وهو جار على طريقة أهل الاعتزال ، وقد مر لنا شيء من الكلام على هذا في قوله :
الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
« 2 » .
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ
قال الزجاج : الأصل فتقبلها بتقبل حسن ، ولكن قبول محمول على : قبلها قبولا ، يقال : قبل الشيء قبولا والقياس فيه الضم : كالدخول والخروج ، ولكنه جاء بالفتح ، وأجاز الفراء والزجاج ضم القاف ، ونقلها ابن الأعرابي فقال : قيلته قبولا وقبولا . وقال ابن عباس : معناه سلك بها طريق السعداء . وقال قوم : تكفل بتربيتها والقيام بشأنها . وقال الحسن : معناه لم يعذبها ساعة قط من ليل ولا نهار . وعلى هذه الأقوال يكون تقبل بمعنى استقبل ، فيكون تفعل بمعنى استفعل ، أي : استقبلها ربها ، نحو : تعجلت الشيء فاستعجلته ، وتقصيت الشيء واستقصيته ، من قولهم : استقبل الأمر أي أخذه بأوله . قال :
وخير الأمر ما استقبلت منه * وليس بأن تتبعه اتباعا
أي فأخذها في أول أمرها حين ولدت . وقيل : المعنى فقبلها أي : رضي بها في النذر مكان الذكر في النذر كما نذرت أمها وسنى لها الأمل في ذلك ، وقبل دعاءها في قولها : فتقبل
هامش
( 1 ) سورة الحجر : 15 / 39 وص : 38 / 82 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 275 .