تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
يعترض جملتان بين طالب ومطلوب ، بل اعترض بين القسم الذي هو :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
« 1 » وجوابه الذي هو :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
« 2 » بجملة واحدة وهي قوله :
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
« 3 » لكنه جاء في جملة الاعتراض بين بعض أجزائه وبعض ، اعتراض بجملة وهي قوله :
لَوْ تَعْلَمُونَ
« 4 » اعترض به بين المنعوت الذي هو : لقسم ، وبين نعته الذي هو : عظيم ، فهذا اعتراض في اعتراض ، فليس فصلا بجملتي اعتراض لقوله :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى
وسمي من الأفعال التي تتعدى إلى واحد بنفسها ، وإلى آخر بحرف الجر ، ويجوز حذفه ، وإثباته هو الأصل ، يقول : سميت ابني بزيد ، وسميته زيدا . قال :
وسميت كعبا بشر العظام * وكان أبوك يسمى الجعل
أي : وسميت بكعب ، ويسمى : بالجعل ، وهو باب مقصور على السماع ، وفيه خلاف عن الأخفش الصغير ، وتحرير ذلك في علم النحو .
وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
أتى خبر : إن ، مضارعا وهو : أعيذها ، لأن مقصودها ديمومة الاستعاذة ، والتكرار بخلاف : وضعتها ، وسميتها ، فإنهما ماضيان قد انقطعا ، وقدّمت ذكر المعاذ به على المعطوف على الضمير للاهتمام به ، ثم استدركت بعد ذلك الذكر ذريتها ، ومناجاتها اللّه بالخطاب السابق إنما هو وسيلة إلى هذه الاستعاذة ، كما يقدّم الإنسان بين يدي مقصوده ما يستنزل به إحسان من يقصده ، ثم يأتي بعد لك بالمقصود ، وورد في الحديث ، من رواية أبي هريرة : « كل مولود من بني آدم له طعن من الشيطان ، وبها يستهل الصبي ، إلّا ما كان من مريم ابنة عمران وابنها ، فإن أمّها قالت حين وضعتها : واني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم . فضرب بينهما حجاب فطعن الشيطان في الحجاب » . وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث من طرق ، والمعنى واحد . وطعن القاضي عبد الجبار في هذا الحديث ، قال : لأنه خبر واحد على خلاف الدليل ، فوجب رده ، وإنما كان على خلاف الدليل لأن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الشر والخير ، والصبي ليس كذلك ، ولأنه لو تمكن من هذا المس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وغير
هامش
( 1 ) سورة الواقعة : 56 / 75 . ( 2 ) سورة الواقعة : 56 / 77 . ( 4 - 3 ) سورة الواقعة : 56 / 76 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 119 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل