لا ينفك عن الضوء . وتقدم بالذات ، كالواحد مع الاثنين ، وليس الواحد علة للاثنين بخلاف القسم الأول . وتقدم بالشرف ، كتقدم الإمام على المأموم . وتقدم بالزمان ، كتقدم الوالد على الولد بالوجود ، وزاد بعضهم سادسا وهو : التقدم بالوجود حيث لا زمان . ولما ذكر تعالى حال هؤلاء الكفار في الدنيا ، أخبر بما يؤول إليه أمرهم في الآخرة من العذاب العظيم . ولما كان قد أعد لهم العذاب صير كأنه ملك لهم لازم ، والعظيم هو الكبير .
وقيل : العظيم فوق ، لأن الكبير يقابله الصغير ، والعظيم يقابله الحقير . قيل : والحقير دون الصغير ، وأصل العظم في الجثة ثم يستعمل في المعنى ، وعظم العذاب بالنسبة لي عذاب دونه يتخلله فتور ، وبهذا التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما شبع من الآخر ، إذ قد تخلل الآخر ما ليس بسواد .
وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
إلى قوله :
عَظِيمٌ
، أقوالا : أحدها : أنها نزلت في يهود كانوا حول المدينة ، قاله ابن عباس ، وكان يسميهم . الثاني : نزلت في قادة الأحزاب من مشركي قريش ، قاله أبو العالية . الثالث : في أبي جهل وخمسة من أهل بيته ، قاله الضحاك . الرابع : في أصحاب القليب : وهم أبو جهل ، وشيبة بن ربيعة ، وعقبة بن أبي معيط ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن المغيرة .
الخامس : في مشركي العرب قريش وغيرها . السادس : في المنافقين ، فإن كانت نزلت في ناس بأعيانهم وافوا على الكفر ، فالذين كفروا معهودون ، وإن كانت لا في ناس مخصوصين وافوا على الكفر ، فيكون عاما مخصوصا . ألا ترى أنه قد أسلم من مشركي قريش وغيرها ومن المنافقين ومن اليهود خلق كثير بعد نزول هاتين الآيتين ؟ .
وذكروا أيضا أن في هاتين الآيتين من ضروب الفصاحة أنواعا . الأول : الخطاب العام اللفظ الخاص المعنى . الثاني : الاستفهام الذي يراد به تقرير المعنى في النفس ، أي يتقرر أن الإنذار وعدمه سواء عندهم . الثالث : المجاز ، ويسمى : الاستعارة ، وهو قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ
، وحقيقة الختم وضع محسوس على محسوس يحدث بينهما رقم يكون علامة للخاتم ، والختم هنا معنوي ، فإن القلب لما لم يقبل الحق مع ظهوره استعير له اسم المختوم عليه فبين أنه من مجاز الاستعارة . الرابع :
الحذف ، وهو في مواضع : منها : أن الذين كفروا ، أي أن القوم الذين كفروا باللّه وبك وبما جئت به . ومنها : لا يؤمنون باللّه وبما أخبرتهم به عنه . ومنها : ختم اللّه على قلوبهم فلا تعي وعلى أسماعهم فلا تصغي . ومنها : وعلى أبصارهم غشاوة على من نصب ، أي وجعل على