تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
وقول الآخر : علفتها تبنا وماء باردا ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار ، فقراءة الرفع أحسن ، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة . انتهى كلام أبي علي ، رحمه اللّه تعالى . ولا أدري ما معنى قوله : لأن النصب إنما يحمله على ختم الظاهر ، وكيف تحمل غشاوة المنصوب على ختم الذي هو فعل ؟ هذا ما لا حمل فيه اللهم إلا إن أراد أن يكون قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
دعاء عليهم لا خبرا ، فإن ذلك يناسب مذهبه لاعتزاله ، ويكون غشاوة في معنى المصدر المدعو به عليهم القائم مقام الفعل فكأنه قيل : وغشى اللّه على أبصارهم ، فيكون إذ ذاك معطوفا على ختم عطف المصدر النائب مناب فعله في الدعاء ، نحو قولك : رحم اللّه زيدا وسقيا له ، وتكون إذ ذاك قد حلت بين غشاوة المعطوف وبين ختم المعطوف عليه بالجار والمجرور . وأما إن جعلت ذلك خبرا محضا وجعلت غشاوة في موضع المصدر البدل عن الفعل في الخبر فهو ضعيف لا ينقاس ذلك بل يقتصر فيه على مورد السماع ، وقرأ الحسن باختلاف عنه وزيد بن علي : غشاوة بضم الغين ورفع التاء ، وأصحاب عبد اللّه بالفتح والنصب وسكون الشين ، وعبيد بن عمير كذلك ، إلا أنه رفع التاء . وقرأ بعضهم غشوة بالكسر والرفع ، وبعضهم غشوة وهي قراءة أبي حيوة ، والأعمش قرأ بالفتح والرفع والنصب . وقال الثوري : كان أصحاب عبد اللّه يقرءونها غشية بفتح الغين والياء والرفع . اه . وقال يعقوب : غشوة بالضم لغة ، ولم يؤثرها عن أحد من القراءة . قال بعض المفسرين : وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة ، والأشياء التي هي أبدا مشتملة ، فهذا يجيء وزنها : كالصمامة ، والعمامة ، والعصابة ، والريانة ، وغير ذلك . وقرأ بعضهم : غشاوة بالعين المهملة المكسورة والرفع من العشي ، وهو شبه العمى في العين . وتقديم القلوب على السمع من باب التقديم بالشرف وتقديم الجملة التي انتظمتها على الجملة التي تضمنت الأبصار من هذا الباب أيضا . وذكر أهل البيان أن التقديم يكون باعتبارات خمسة : تقدم العلة والسبب على المعلول والمسبب ، كتقديم الأموال على الأولاد في قوله تعالى :
أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ *
« 1 » ، فإنه إنما يشرع في النكاح عند قدرته على المئونة ، فهي سبب إلى التزوج ، والنكاح سبب للتناسل . والعلة : كتقدم المضيء على الضوء ، وليس تقدم زمان ، لأن جرم الشمس
هامش
( 1 ) سورة التغابن : 64 / 15 .