المذكورة في وصف الهدى بأنه من ربهم ، أي كائن من ربهم ، تعظيم للهدى الذي هم عليه . ومناسبة ذكر الرب هنا واضحة ، أي أنه لكونه ربهم بأي تفاسيره فسرت ناسب أن يهيئ لهم أسباب السعادتين : الدنيوية والأخروية ، فجعلهم في الدنيا على هدى ، وفي الآخرة هم مفلحون . وقد تكون ثم صفة محذوفة أي على هدى ، وحذف الصفة لفهم المعنى جائز ، وقد لا يحتاج إلى تقدير الصفة لأنه لا يكفي مطلق الهدى المنسوب إلى اللّه تعالى . ومن لابتداء الغاية أو للتبعيض على حذف مضاف ، أي من هدى ربهم .
وقرأ ابن هرمز : من ربهم بضم الهاء ، وكذلك سائرها آت جمع المذكر والمؤنث على الأصل من غير أن يراعى فيها سبق كسر أو ياء ، ولما أخبر عنهم بخبرين مختلفين كرر أولئك ليقع كل خبر منهما في جملة مستقلة وهو آكد في المدح إذ صار الخبر مبنيا على مبتدأ . وهذان الخبران هما نتيجتا الأوصاف السابقة إذ كانت الأوصاف منها ما هو متعلقه أمر الدنيا ، ومنها ما متعلقه أمر الآخرة ، فأخبر عنهم بالتمكن من الهدى في الدنيا وبالفوز في الآخرة . ولما اختلف الخبران كما ذكرنا ، أتى بحرف العطف في المبتدأ ، ولو كان الخبر الثاني في معنى الأول ، لم يدخل العاطف لأن الشيء لا يعطف على نفسه . ألا ترى إلى قوله تعالى :
أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
« 1 » بعد قوله :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ
« 2 » كيف جاء بغير عاطف لاتفاق الخبرين اللذين للمبتدأين في المعنى ؟ ويحتمل هم أن يكون فصلا أو بدلا فيكون المفلحون خيرا عن أولئك ، أو المبتدأ والمفلحون خبره ، والجملة من قوله : هم المفلحون في موضع خبر أولئك ، وأحكام الفصل وحكمة المجيء به مذكورة في كتب النحو .
وقد جمعت أحكام الفصل مجردة من غير دلائل في نحو من ست ورقات ، وإدخال هو في مثل هذا التركيب أحسن ، لأنه محل تأكيد ورفع توهم من يتشكك في المسند إليه الخبر أو ينازع فيه ، أو من يتوهم التشريك فيه . ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا
« 3 » ،
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى
« 4 » ، وقوله :
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
« 5 » ،
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى
« 6 » ، كيف أثبت هو دلالة على ما ذكر ، ولم يأت به في نسبة خلق الزوجين وإهلاك عاد ، إذ لا يتوهم إسناد ذلك لغير اللّه تعالى ولا
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 179 .
( 2 ) سورة الأعراف : 7 / 179 .
( 3 ) سورة النجم : 53 / 43 - 44 .
( 4 ) سورة النجم : 53 / 48 .
( 5 ) سورة النجم : 53 / 45 .
( 6 ) سورة النجم : 53 / 50 .