تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 664

مساهمون:

ص٦٦٤
ثم أخبر تعالى أن تلك الأمة قد مضت لسبيلها ، وأنها رهينة بما كسبت ، كما أنكم مرهونون بأعمالكم ، وأنكم لا تسألون عنهم . ثم ذكر تعالى ما هم عليه من دعوى الباطل . والدعاء إليه ، وزعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية والنصرانية . ثم أضرب عن كلامهم ، وأخذ في اتباع ملة إبراهيم الحنيفية المباينة لليهودية والنصرانية والوثنية . ثم أمرهم بأن يفصحوا بأنهم آمنوا بما أنزل إليهم وإلى إبراهيم ومن ذكر معه ، فإن الإيمان بذلك هو الدين الحنيف ، وأنهم منقادون للّه اعتقادا وأفعالا . ثم أخبر أن اليهود والنصارى ، إن وافقوكم على ذلك الإيمان ، فقد حصلت الهداية لهم ، ورتب الهداية على ذلك الإيمان ، فنبه بذلك على فساد ترتيب الهداية على اليهودية والنصرانية في قوله :
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
. ثم أخبر تعالى أنهم إن تولوا فهم الأعداء المشاقون لك ، وأنك لا تبالي بشقاقهم ، لأن اللّه تعالى هو كافيك أمرهم ، ومن كان اللّه كافيه فهو الغالب ، ففي ذلك إشارة إلى ظهوره عليهم . ثم ذكر أن صبغة الملة الحنيفية هي صبغة اللّه ، وإذا كانت صبغة اللّه ، فلا صبغة أحسن منها ، وأن تأثير هذه الصبغة هو ظهورها عليهم بعبادة اللّه ، تعالى ، فقال :
وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ
. ثم استفهمهم أيضا على طريق التوبيخ والتقريع عن مجادلتهم في اللّه ولا يحسن النزاع فيه ، لأن اللّه هو ربنا كلنا ، فالذي يقتضيه العقل أنه لا يجادل فيه . ثم ذكر أنه رب الجميع ، وأشار إلى أنه يجازى الجميع بقوله :
وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
. ثم ذكر ما انفردوا به من الإخلاص له ، لأن اليهود والنصارى غير مخلصين له في العبادة . ثم استفهمهم أيضا على جهة التوبيخ والتقريع ، عن مقالتهم في إبراهيم ومن ذكر معه ، من أنهم كانوا يهودا ونصارى ، وأن دأبهم المجادلة بغير حق ، فتارة في اللّه وتارة في أنبياء اللّه . ثم بين أنهم لا علم عندهم بل اللّه هو أعلم به . ثم بين أن تلك المقالة لم تكن عن دليل ولا شبهة ، بل مجرد عناد ، وأنهم كاتمون للحق ، دافعون له ، فقال ما معناه : لا أحد أظلم من كاتم شهادة استودعه اللّه إياها ، والمعنى : لا أحد أظلم منكم في المجادلة في اللّه ، وفي نسبة اليهودية والنصرانية لإبراهيم ومن ذكر معه ، إذ عندهم الشهادة من اللّه بأحوالهم . ثم هدّدهم بأن اللّه تعالى لا يغفل عما يعملون . ثم ختم ذلك بأن تلك أمّة قد خلت منفردة بعملها ، كما أنتم كذلك ، وأنكم غير مسئولين عما عملوه ، وجاءت هذه الجمل من ابتداء ذكر إبراهيم إلى انتهاء الكلام فيه ، على اختلاف معانيه وتعدّد مبانيه ، كأنها جملة واحدة ، في حسن مساقها ونظم اتساقها ،