تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 663

مساهمون:

ص٦٦٣
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
: تقدّم الكلام على تفسير هذه الجملة عند قوله :
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ، أَ فَتَطْمَعُونَ
« 1 » ولا يأتي إلا عقب ارتكاب معصية ، فتجيء متضمنة وعيدا ، ومعلمة أن اللّه لا يترك أمرهم سدى ، بل هو محصل لأعمالهم ، مجاز عليها .
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
: تقدّم الكلام على شرح هذه الجمل ، وتضمنت معنى التخويف والتهديد ، وليس ذلك بتكرار ، لأن ذلك ورد إثر شيء مخالف لما وردت الجمل الأولى بإثره . وإذا كان كذلك ، فقد اختلف السياق ، فلا تكرار . بيان ذلك أن الأولى وردت إثر ذكر الأنبياء ، فتلك إشارة إليهم ، وهذه وردت عقب أسلاف اليهود والنصارى ، فالمشار إليه هم . فقد اختلف المخبر عنه والسياق ، والمعنى : أنه إذا كان الأنبياء على فضلهم وتقدّمهم ، يجازون بما كسبوا ، فأنتم أحق بذلك . وقيل : الإشارة بتلك إلى إبراهيم ومن ذكر معه ، واستبعد أن يراد بذلك أسلاف اليهود والنصارى ، لأنه لم يجر لهم ذكر مصرّح بهم ، وإذا كانت الإشارة بتلك إلى إبراهيم ومن معه ، فالتكرار حسن لاختلاف الأقوال والسياق . وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الدعاء إلى اللّه تعالى ، حتى جعلوا ذلك وصية يوصون بها واحدا بعد واحد . فأخبر تعالى عن إبراهيم أنه أوصى بملته الحنيفية بنيه ، وأن يعقوب أوصى بذلك ، وقدّم بين يدي وصيته اختيار اللّه لهم هذا الدين ، ليسهل عليهم اتباع ما اختاره اللّه لهم ، ويحضهم على ذلك ، وأمرهم أنهم لا يموتون إلا عليه ، لأن الأعمال بخواتيمها . ثم ذكر سؤال يعقوب لبنيه عما يعبدون بعد موته ، فأجابوه بما قرّت به عينه من موافقته وموافقة آبائه الأنبياء من عبادة اللّه تعالى وحده ، والانقياد لأحكامه . وحكمة هذا السؤال أنه لما وصاهم بالحنيفية ، استفسرهم عما تكن صدورهم ، وهل يقبلون الوصية ؟ فأجابوه بقبولها وبموافقة ما أحبه منهم ، ليسكن بذلك جأشه ، ويعلم أنه قد خلف من يقوم مقامه في الدعاء إلى اللّه تعالى . وصدر سؤال يعقوب بتقريع اليهود والنصارى بأنهم ما كانوا شهدوا وصية يعقوب ، إذ فاجأه مقدّمات الموت ، فدعواهم اليهودية والنصرانية على إبراهيم ويعقوب وبنيهم باطلة ، إذ لم يحضروا وقت الوصية ، ولم تنبئهم بذلك توراتهم ولا إنجيلهم ، فبطل قولهم ، إذ لم يتحصل لا عن عيان ولا عن نقل ، ولا ذلك من الأشياء التي يستدل عليها بالعقل .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 74 - 75 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 663 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل