تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
جميع المؤمنين ، وخص الركوع والسجود بالذكر من جميع أحوال المصلي ، لأنهما أقرب أحواله إلى اللّه ، وقدّم الركوع على السجود لتقدمه عليه في الزمان ، وجمعا جمع تكسير لمقابلتهما ما قبلهما من جمعي السلامة ، فكان ذلك تنويعا في الفصاحة ، وخالف بين وزني تكسيرهما تنويعا في الفصاحة أيضا ، وكان آخرهما على فعول ، لا على فعل ، لأجل كونها فاصلة ، والفواصل قبلها وبعدها آخر ما قبله حرف مدّ ولين ، وعطفت تينك الصفتان لفرط التباين بينهما بأي تفسير فسرتهما مما سبق . ولم يعطف السجود على الركع ، لأن المقصود بهما المصلون . والركع والسجود ، وإن اختلفت هيآتهما فيقابلهما فعل واحد وهو الصلاة . فالمراد بالركع السجود : المصلون ، فناسب أن لا يعطف ، لئلا يتوهم أن كل واحد منهما عبادة على حيالها ، وليستا مجتمعتين في عبادة واحدة ، وليس كذلك . وفي قوله :
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
دلالة على جواز الصلاة في البيت فرضا ونفلا ، إذ لم يخصص .
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً
: ذكروا أن العامل في إذا ذكر محذوفة ، ورب : منادى مضاف إلى الياء ، وحذف منه حرف النداء ، والمضاف إلى الياء فيه لغات ، أحسنها : أن تحذف منه ياء الإضافة ، ويدل عليها بالكسرة ، فيجتزأ بها لأن النداء موضع تخفيف . ألا ترى إلى جواز الترخيم فيه ؟ وتلك اللغات مذكورة في النحو ، وسيأتي منها في القرآن شيء ، ونتكلم عليه في مكانه ، إن شاء اللّه تعالى . وناداه بلفظ الرب مضافا إليه ، لما في ذلك من تلطف السؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل وإجابة ضراعته . واجعل هنا بمعنى : صير ، وصورته أمر ، وهو طلب ورغبة . وهذا إشارة إلى الوادي الذي دعا لأهله حين أسكنهم فيه ، وهو قوله :
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
« 1 » ، أو إلى المكان الذي صار بلدا ، ولذلك نكره فقال :
بَلَداً آمِناً
. وحين صار بلدا قال :
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي
« 2 » ، وقال :
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ
« 3 » ، هذا إن كان الدعاء مرتين في وقتين . وقيل : الآيتان سواء ، فتحتمل آية التنكير أن يكون قبلها معرفة محذوفة ، أي اجعل هذا البلد بلدا آمنا ، ويكون بلدا النكرة ، توطئة لما يجيء بعده ، كما تقول : كان هذا اليوم يوما حارا ، فتكون الإشارة إليه في الآيتين بعد كونه بلدا . ويحتمل وجها آخر وهو : أنه لا يكون محذوف ولا يكون إذ ذاك بلدا ، بل دعى له بذلك ، وتكون المعرفة الذي جاء في قوله :
هَذَا الْبَلَدَ *
، باعتبار ما يؤول إليه سماه بلدا . ووصف بلد بآمن ، إما
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : 14 / 37 . ( 2 ) سورة إبراهيم : 14 / 35 . ( 3 ) سورة البلد : 90 / 1 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 612 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل