تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
الحق وبالإحسان إلى الخلق . قال الطبري : إنما أمر اللّه هنا بالصلاة والزكاة ليحط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود : راعنا ، لأن ذلك نهي عن نوعه ، ثم أمر المؤمنون بما يحطه . انتهى كلامه . وليس له ذلك الظهور .
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ
: لما قدم الأمر بالصلاة والزكاة أتى بهذه الجملة الشرطية عامة لجميع أنواع الخير ، فيندرج فيها الصلاة والزكاة وغيرهما . والقول في إعراب ما ومن خير ، كالقول في إعراب : ما ننسخ من آية ، من أنهم قالوا : يجوز أن تكون ما مفعولة ، ومن خير : حال أو مصدر ، ومن خير : مفعول ، أو مفعولة ، ومن خير : تمييز أو مفعولة ، ومن خير ، تبعيضية متعلقة بمحذوف وهو الذي اخترناه . لأنفسكم : متعلق بتقدموا ، وهو على حذف مضاف ، أي لنجاة أنفسكم وحياتها ، قال تعالى :
يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي
« 1 » . وقد فسر الخير هنا بالزكاة والصدقة ، والأظهر العموم تجدوه جواب الشرط ، والهاء عائدة على ما ، والخيور المتقدمة هي أفعال منقضية . ونفس ذلك المنقضي لا يوجد ، فإنما ذلك على حذف مضاف ، أي تجدوا ثوابه . فجعل وجوب ما ترتب عليه وجودا له ، وتجدوه متعد إلى واحد ، لأنه بمعنى الإصابة . والعامل في قوله :
عِنْدَ اللَّهِ
، إما نفس الفعل ، أو محذوف ، فيكون في معنى الحال من الضمير ، أي تجدوه مدّخرا ومعدّا عند اللّه . والظرفية هنا المكانية ممتنعة ، وإنما هي مجاز بمعنى القبل ، كما تقول لك : عندي يد ، أي في قبلي ، أو بمعنى في علم اللّه نحو :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ
« 2 » ، أي في علمه وقضائه ، أو بمعنى الاختصاص بالإضافة إلى اللّه تعالى تعظيما كقوله :
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
« 3 » .
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
: المجيء بالاسم الظاهر يدل على استقلال الجمل ، فلذلك جاء إن اللّه ، ولم يجئ إنه ، مع إمكان ذلك في الكلام . وهذه جملة خبرية ظاهرة التناسب في ختم ما قبلها بها ، تتضمن الوعد والوعيد . وكنى بقوله : بصير عن علم المشاهد ، أي لا يخفى عليه عمل عامل ولا يضيعه ، ومن كان مبصرا لفعلك ، لم يخف عليه ، هل هو خير أو شر ، وأتى بلفظ بصير دون مبصرا ، إما لأنه من بصر ، فهو يدل على التمكن والسجية في حق الإنسان ، أو لأنه فعيل للمبالغة بمعنى مفعل ، الذي هو للتكثير . ويحتمل أن يكون فعيل بمعنى مفعل ، كالسميع بمعنى المسمع ، قال بعض الصوفية : على
هامش
( 1 ) سورة الفجر : 89 / 24 . ( 2 ) سورة الحج : 22 / 47 . ( 3 ) سورة الأعراف : 7 / 206 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 560 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل