تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
لا يكون إلا من عند أنفسهم ؟ فهو نظير ، ولا طائر يطير بجناحيه . وقيل : يتعلق الجار والمجرور بقوله : يردونكم ، ومن سببية ، أي يكون الرد من تلقائهم وبإغوائهم وتزيينهم .
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ
: تتعلق من هذه بقوله : ود ، أي ودادتهم كفركم للحسد المنبعث من عند أنفسهم . وتلك الودادة ابتدأت من زمان وضوح الحق وتبينه لهم ، فليسوا من أهل الغباوة الذين قد يعزب عليهم وضوح الحق ، بل ذلك على سبيل الحسد والعناد . وهذا يدل على أن الكفر يكون عنادا . ألا ترى إلى ظاهر قوله :
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ
؟ قال ابن عطية : واختلف أهل السنة في جواز ذلك . والصحيح عندي جوازه عقلا ، وبعده وقوعا ، ويترتب في كل آية تقتضيه أن المعرفة تسلب من ثاني حال من العناد . انتهى كلامه ، والألف واللام في الحق ، إما للعهد ، ويراد به الإيمان ، ويدل عليه جريانه قبل هذا ، أو الألف واللام للاستغراق ، أي من بعد ما اتضحت لهم وجوه الحق وأنواعه .
فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا
، قال ابن عباس : هي منسوخة بقوله :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
« 1 » . وقيل : بقوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
« 2 » ، وقال قوم : ليس هذا حد المنسوخ ، لأن هذا في نفس الأمر كان للتوقيف على مدته .
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
: غيا العفو والصفح بهذه الغاية ، وهذه موادعة إلى أن أتى أمر اللّه بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بالجزية ، وغير ذلك مما أتى من أحكام الشرع فيهم وترك العفو والصفح . وقال الكلبي : هو إسلام بعض واصطلام بعض . وقيل : آجال بني آدم . وقيل : القيامة ، وقيل : المجازاة يوم القيامة . وقيل : قوة الرسالة وكثرة الأمة ، والجمهور على أنه الأمر بالقتال . وعن الباقر : أنه لم يؤمر بقتال حتى نزل أذن للذين يقاتلون ، والأمر بالعفو والصفح هو أن لا يقاتلوا وأن يعرض عن جوابهم فيكون أدعى لتسكين الثائرة وإطفاء الفتنة وإسلام بعضهم ، لا أنه يكون ذلك على وجه الرضا ، لأن ذلك كفر .
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
: مر تفسير هذه الآية ، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار ، ووعد للمؤمنين بالنصر والتمكين . ألا ترى أنه أمر بالموادعة بالعفو والصفح ، وغيا ذلك إلى أن يأتي اللّه بأمره ، ثم أخبر بأنه قادر على كل شيء ؟ .
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
: لما أمر بالعفو والصفح ، أمر بالمواظبة على عمودي الإسلام : العبادة البدنية ، والعبادة المالية ، إذ الصلاة فيها مناجاة اللّه تعالى والتلذذ بالوقوف بين يديه ، والزكاة فيها الإحسان إلى الخلق بالإيثار على النفس ، فأمروا بالوقوف بين يدي
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 9 / 29 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 5 .