تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
معادل ، لأنه إنما يراد به التقرير . والمعنى : قد علمت أيها المخاطب أن اللّه قادر على كل شيء ، فله التصرف في تكاليف عباده ، بمحو وإثبات وإبدال حكم بحكم ، وبأن يأتي بالأخير لكم وبالمماثل . وحكمة إفراد المخاطب : أنه ما من شخص إلا يتوهم أنه المخاطب بذلك ، والمنبه به ، والمقرر على شيء ثابت عنده ، وهو أن قدرة اللّه تعالى متعلقة بالأشياء ، فلن يعجزه شيء ، فإذا كان كذلك لم ينكر النسخ ، لأن اللّه تعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، لا رادّ لأمره ، ولا معقب لحكمه . وفي قوله :
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ
، فيه خروج من ضمير جمع مخاطب وهو :
مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
، إلى ضمير مخاطب مفرد للحكمة التي بيناها ، وخروج من ضمير متكلم معظم نفسه ، إلى اسم ظاهر غائب وهو اللّه ، إذ هو الاسم العلم الجامع لسائر الصفات ، ففي ضمنه صفة القدرة ، فهو أبلغ في نسبة القدرة إليه من ضمير المتكلم المعظم ، فلذلك عدل عن قوله : ا لم تعلم أننا إلى قوله :
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ
، وقد تقدم تفسير قوله :
أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 1 » في أوائل هذه السورة ، فأغنى ذلك عن إعادته .
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؟ هذا أيضا استفهام دخل على النفي فهو تقرير ، فليس له معادل ، لأن التقرير معناه : الإيجاب ، أي قد علمت أيها المخاطب أن اللّه له سلطان السماوات والأرض والاستيلاء عليهما ، فهو يملك أموركم ويدبرها ، ويجريها على ما يختاره لكم من نسخ وغيره ، وخص السماوات والأرض بالملك ، لأنهما من أعظم المخلوقات ، ولأنهما قد اشتملا على جميع المخلوقات . وإذا كان استيلاؤه على الطرفين ، كان مستوليا على ما اشتملا عليه ، أو لأنه يعبر عن مخلوقاته العلوية بالسماوات ، والسفلية بالأرض . وتضمنت هاتان الجملتان التقرير على الوصفين اللذين بهما كمال التصرف ، وهما : القدرة والاستيلاء ، لأن الشخص قد يكون قادرا ، بمعنى أن له استطاعة على فعل شيء ، لكنه ليس له استيلاء على ذلك الشيء ، فينفذ فيه ما يستطيع أن يفعل . فإذا اجتمعت الاستطاعة وعدم المانعية ، كمل بذلك التصرف مع الإرادة . وبدأ بالتقرير على وصف القدرة ، لأنه آكد من وصف الاستيلاء والسلطان .
وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
: انتقل من ضمير الإفراد في الخطاب إلى ضمير الجماعة ، وناسب الجمع هنا ، لأن المنفي بدخول من عليه صار نصا في العموم ، فناسب كون المنفي عنه يكون عاما أيضا ، كان المعنى : وما
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 20 .