تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
نَأْتِ
: هو جواب الشرط ، واسم الشرط هنا جاء بعده الشرط والجزاء مضارعين ، وهذا أحسن التراكيب في فعلى الشرط والجزاء ، وهو أن يكونا مضارعين .
بِخَيْرٍ مِنْها
: الظاهر أن خيرا هنا أفعل التفضيل ، والخيرية ظاهرة ، لأن المأتي به ، إن كان أخف من المنسوخ أو المنسوء ، فخيريته بالنسبة لسقوط أعباء التكليف ، وإن كان أثقل ، فخيريته بالنسبة لزيادة الثواب .
أَوْ مِثْلِها
: أو مساو لها في التكليف والثواب ، وذلك كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة . وذهب قوم إلى أن خيرا هنا ليس بأفعل التفضيل ، وإنما هو خير من الخيور ، كخير في قوله :
أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
، فهو عندهم مصدر ، ومن لابتداء الغاية . ويصير المعنى : أنه ما ننسخ من آية أو نؤخرها ، نأت بخير من الخيور من جهة المنسوخ أو المنسوء ، لكن يبعد هذا المعنى قوله :
أَوْ مِثْلِها
، فإنه لا يصح عطفه على قوله :
بِخَيْرٍ
على هذا المعنى ، إلا إن أطلق الخير على عدم التكليف ، فيكون المعنى : نأت بخير من الخيور ، وهو عدم التكليف ، أو نأت بمثل المنسوخ أو المنسوء ، فكأنه يقول : ما ننسخ من آية أو نؤخرها ، فإلى غير بدل ، أو إلى بدل مماثل ، والذي إلى غيره بدل ، هو خير أتاكم من جهة الآية المنسوخة أو المنسوءة ، إذ هو راحتكم من التكاليف . وأما عطف مثلها على الضمير المجرور في منها فيضعف لعدم إعادة الجار .
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
؟ قال ابن عطية : ظاهره الاستفهام المحض ، فالمعادل هنا على قول جماعة : أم تريدون . وقال قوم : أم هنا منقطعة ، فالمعادل على قولهم محذوف تقديره : أم علمتم ، وهذا كله على أن القصد بمخاطبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مخاطبة أمته ، وأما إن كان هو المخاطب وحده ، فالمعادل محذوف لا غير ، وكلا القولين مروي . انتهى كلامه ونقله . وما قالوه ليس بجيد ، بل هذا استفهام معناه التقرير ، فلا يحتاج إلى معادل البتة ، والأولى أن يكون المخاطب السامع ، والاستفهام بمعنى التقرير كثير في كلامهم جدا ، خصوصا إذا دخل على النفي :
أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ
« 1 » ؟
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
« 2 » ؟
أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً
« 3 » ؟
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى
« 4 » ؟
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
« 5 » ؟ فهذا كله استفهام لا يحتاج فيه إلى
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : 29 / 10 . ( 2 ) سورة التين : 95 / 8 . ( 3 ) سورة الشعراء : 26 / 18 . ( 4 ) سورة الضحى : 93 / 6 . ( 5 ) سورة الشرح : 94 / 1 .