تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
كأنهما يقولان : لا تفعل كذا ، كما لو سأل سائل عن صفة الزنا ، أو القتل ، فأخبر بصفته ليجتنبه . فكان المعنى في يعلمان : يعلمان . وقال الزمخشري : فلا تكفر : فلا تتعلم ، معتقدا أنه حق فتكفر . وحكى المهدوي : أن قولهما
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
، فلا تكفر استهزاء ، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله . وقال في ( المنتخب ) قوله :
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
توكيد لقبول الشرع والتمسك به ، فكانت طائفة تمتثل وأخرى تخالف . وقيل : فلا تكفر ، أي لا تستعمله فيما نهيت عنه ، ولكن إذا وقفت عليه فتحرز من أن ينفذ لساحر عليك تمويه . وقيل : فلا تفعله لتعمل به . وهذا على قول من قال : تعلمه جائز والعمل به كفر . وقيل : فلا تكفر بتعليم السحر ، وهذا على قول من قال : إن تعلمه كفر . وقيل : فلا تكفر بنا ، وهذا على قول : إن الملكين نزلا من السماء بالسحر ، وإن من تعلمه في ذلك الوقت كان كافرا ، ومن تركه كان مؤمنا ، كما جاء في نهر طالوت ، وقد تقدم ما حكاه المهدوي أن قولهما : فلا تكفر ، على سبيل الاستهزاء ، لا على سبيل النصيحة . وقوله : حتى يقولا مطلقا في القول ، وأقل ما يتحقق بالمرة الواحدة ، فقيل مرة ، وقيل سبع مرات ، وقيل تسع مرات ، وقيل ثلاث . ويحتاج ذلك إلى صحة نقل ، وإن لم يوجد ، فيكون محتملا ، والمتحقق المرة الواحدة . واختلف في كيفية تلقي ذلك العلم منهما ، فقال مجاهد : هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد ، ويختلف إليهما شيطانان في كل سنة اختلافة واحدة ، فيتعلمان منهما ما يفرّقان به بين المرء وزوجه . والظاهر أن هاروت وماروت هما اللذان يباشران التعليم لقوله :
وَما يُعَلِّمانِ
. وقد ذكر المفسرون قصصا فيما يعرض من المحاورة بين الملكين وبين من جاء ليتعلم منهما ، وفي كل من ذلك القصص أنهما يأمرانه بأن يبول في تنور . فاختلفوا في الإيمان الذي يخرج منه ، أيرى فارسا مقنعا بحديد يخرج منه حتى يغيب في السماء ؟ أو نورا خرج من رماد يسطع حتى يدخل السماء ؟ أو طائرا خرج من بين ثيابه وطار نحو السماء ؟ وفسروا ذلك الخارج بأنه الإيمان . وهذا كله شيء لا يصح البتة ، فلذلك لخصنا منه شيئا ، وإن كان لا يصح ، حتى لا نخلي كتابنا مما ذكروه .
فَيَتَعَلَّمُونَ
: قال الفراء ، واختاره الزجاج ، وهو معطوف على شيء دل عليه أول الكلام ، كأنه قال : فيأبون فيتعلمون . وقال الفرّاء أيضا : هو عطف على
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
،
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما
وأنكره الزجاج بسبب لفظ الجمع في يعلمون وقد قال منهما وأجازه أبو علي وغيره ، إذ لا يمتنع عطف فيتعلمون على يعلمون ، وإن كان التعليم من الملكين خاصة ، والضمير في منهما راجع إليهما ، لأن قوله : فيتعلمون منهما ، إنما جاء بعد
البحر المحيط في التفسير — صفحة 530 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل