تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه ، كفروا به ، فختم اللّه عليهم باللعنة . وأن سبب طردهم عن رحمة اللّه هو ما سبق من كفرهم ، وأن إيمانهم كان قليلا ، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب . ثم أخذ في ذكر ذمهم ، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات اللّه من المآكل والرّئاسات المنقضية في الزمن اليسير ، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد ، لأن اختص اللّه بفضله من شاء من عباده ، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره ، فباءوا بالغضب من اللّه ، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم . إذ كان امتناعهم من الإيمان ، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر ، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة . ثم أخبر تعالى عنهم ، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل اللّه ، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة ، وأنهم يكفرون بما سواها . هذا والكتب المنزلة من عند اللّه سواء ، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضا . فالكفر ببعضها كفر بجميعها . ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :
نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا
، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء ، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم ، فقد خالف قولهم فعلهم . ثم كرر عليهم ، توبيخا لهم ، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة ، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها ، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة ، من نجاتهم من فرعون ، وفلق البحر وغير ذلك ، ومع ذلك ، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلها من أبعد الحيوان ذهنا وأبلدها ، وهو العجل المصنوع من حليهم ، المشاهد إنشاؤه وعمله ، وموسى لم يمت بعد ، وكتاب اللّه طري نزوله عليهم ، لم يتقادم عهده . وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة ، وأمروا بالسمع والطاعة ، فأجابوا بالعصيان . هذا وهم ملجئون إلى الإيمان ، أو كالملجئين ، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به ، ويقبل ما كلف به من التكاليف . وتأبيهم لذلك ، وعدم قبولهم ، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها ، حتى لم تسمع قبولا لشيء من الحق ، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام ، وأنشدوا :
ملأت ببعض حبك كل قلبي * فإن ترد الزيادة هات قلبا
ثم ذمهم تعالى على ما أمرهم به إيمانهم ، ولا إيمان لهم حقيقة ، بل نسب ذلك إليهم ، على سبيل التهكم من عبادة العجل واتخاذه إلها من دون اللّه . ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم ، لا يدخلها أحد سواهم ، فأمرهم بتمني الموت ، لأن من
البحر المحيط في التفسير — صفحة 507 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل