تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
التي يجوز حذف الموصوف فيها ، كقوله تعالى :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
« 1 » ،
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
« 2 » ، وكقول العرب : منا ظعن ومنا أقام ، وعلى أن تكون الواو في
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
لعطف المفرد على المفرد ، قالوا : ويكون قوله :
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ
جملة في موضع الحال ، أي وادّا أحدهم ، قالوا : ويكون حالا من الذين ، فيكون العامل أحرص المحذوف ، أو من الضمير في أشركوا ، فيكون العامل أشركوا . ويجوز أن يكون حالا من الضمير المنصوب في ولتجدنهم ، أي ولتجدنهم الأحرصين على الحياة وادّا أحدهم ، ويجوز أن يكون استئناف إخبار عنهم يبين حال أمرهم في ازدياد حرصهم على الحياة .
أَحَدُهُمْ
: أي واحد منهم ، وليس أحد هنا هو الذي في قولهم ما قام أحد ، لأن هذا مستعمل في النفي أو ما جرى مجراه . والفرق بينهما أن أحدا هذا أصوله همزة وحاء ودال ، وأصول ذلك واو وحاء ودال . فالهمزة في أحدهم بدل من واو ، ولا يراد بقوله :
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ
أي يود واحد منهم دون سائرهم ، وإنما أحدهم هنا عام عموم البدل ، أي هذا الحكم عليهم بودهم أن يعمروا ألف سنة ، هو يتناول كل واحد واحد منهم على طريقة البدل . فكان المعنى أنك إذا نظرت إلى حرص واحد منهم ، وشدّة تعلق قلبه بطول الحياة ، وجدته لو عمر ألف سنة .
لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
: مفعول الودادة محذوف تقديره : يود أحدهم طول العمر . وجواب لو محذوف تقديره : لو يعمر ألف سنة لسر بذلك ، فحذف مفعول يود لدلالة لو يعمر عليه ، وحذف جواب لو لدلالة يود عليه . هذا هو الجاري على قواعد البصريين في مثل هذا المكان . وذهب بعض الكوفيين وغيرهم في مثل هذا إلى أن لو هنا مصدرية بمعنى أن ، فلا يكون لها جواب ، وينسبك منها مصدر هو مفعول يود ، كأنه قال : يود أحدهم تعمير ألف سنة . فعلى هذا القول لا يكون في الكلام حذف ، وعلى القول الأول لا يكون لقوله :
لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
محل إعراب . وعلى القول الثاني محله نصب على المفعول ، كما ذكرنا ، والترجيح بين القولين هو مذكور في علم النحو . قال الزمخشري : فإن قلت : كيف اتصل لو يعمر بيود أحدهم ؟ قلت : هو حكاية لودادتهم ، ولو في معنى التمني ، وكان القياس لو أعمر ، إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله : يود أحدهم ، كقولهم : حلف باللّه ليفعلنّ . انتهى كلامه . وفيه بعض إبهام ، وذلك أن يود فعلى قلبي ، وليس فعلا قوليا ، ولا معناه معنى القول . وإذا كان كذلك ، فكيف تقول هو حكاية
هامش
( 1 ) سورة الصافات : 37 / 164 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 159 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 504 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل