تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
ألف عبد ، فشهروا سيوفهم لما هجم عليهم ، فقال : من أعمد سيفه فهو حرّ . فصبر حتى قتل . وأما سعيد ، فإن الموكلين به ، لما طلبه الحجاج ، لما شاهدوا من لياذ السباع به وتمسحها به ، قالوا : لا ندخل في إراقة دم هذا الرجل الصالح ، قالوا له : طلبك ليقتلك ، فاذهب حيث شئت ، ونحن نكون فداءك . فقال : لا واللّه ، إني سألت ربي الشهادة ، وقد رزقنيها ، واللّه لا برحت . وروي عن النبي ، صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي » . وذلك أن اللّه أمر نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت ، وأن يعلمهم أنه من تمناه منهم مات . ففعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك ، فعلم اليهود صدقه ، فأحجموا عن تمنيه فرقا من اللّه .
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
: هذا من المعجزات ، لأنه إخبار بالغيب ، ونظيره من الإخبار بالمغيب قوله :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
« 1 » ، وظاهره أن من ادّعى أن الجنة خالصة له دون الناس ممن اندرج تحت الخطاب في قوله :
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً
، لا يمكن أن يتمنى الموت أبدا ، ولذلك كان حرف النفي هنا لن الذي قد ادّعى فيه أنه يقتضي النفي على التأبيد ، فيكون قوله : أبدا ، على زعم من ادعى ذلك للتوكيد . وأما من ادعى أنه بمعنى لا ، فيكون أبدا إذ ذاك مفيدا لاستغراق الأزمان . ويعني بالأبد هنا : ما يستقبل من زمان أعمارهم . وفي المنتخب ما نصه : وإنما قال هنا :
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ
، وفي الجمعة
وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ
« 2 » ، لأن دعواهم هنا أعظم من دعواهم هناك ، لأن السعادة القصوى فوق مرتبة الولاية ، لأن الثانية تراد لحصول الأولى ، ولن أبلغ في النفي من لا ، فجعلها لنفي الأعظم . انتهى كلامه . قال المهدوي في ( كتاب التحصيل ) من تأليفه : وهذه المعجزة إنما كانت على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم ارتفعت بوفاته صلّى اللّه عليه وسلّم . ونظير ذلك رجل يقول لقوم حدثهم بحديث : دلالة صدقي ، أن أحرّك يدي ولا يقدر أحد منكم أن يحرّك يده ، فيفعل ذلك ، فيكون دليلا على صدقه ، ولا يبطل دلالته أن حركوا أيديهم بعد ذلك . انتهى كلامه ، وقد قاله غيره من المفسرين . قال ابن عطية : والصحيح أن هذه النازلة من موت من تمنى الموت ، إنما كانت أياما كثيرة عند نزول الآية ، وهي بمنزلة دعائه النصارى من أهل نجران إلى المباهلة ، انتهى
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 24 . ( 2 ) سورة الجمعة : 62 / 7 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 499 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل