تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
إحسانا منا للموصين ، إذ يترتب لهم على امتثال ذلك الثواب الجزيل والأجر العظيم ، أو إحسانا منا للموصى بهم . وقد جاء هذا الفعل مصرّحا به في قوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً
« 1 » . والمختار ، الوجه الثاني : لعدم الإضمار فيه ، ولاطراد مجيء المصدر في معنى فعل الأمر .
وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ
: معطوف على قوله : وبالوالدين . وكان تقديم الوالدين لأنهما آكد في البر والإحسان ، وتقديم المجرور على العامل اعتناء بمتعلق الحرف ، وهما الوالدان ، واهتماما بأمرهما . وجاء هذا الترتيب اعتناء بالأوكد . فبدأ بالوالدين ، إذ لا يخفى تقدمهما على كل أحد في الإحسان إليهما ، ثم بذي القربى ، لأن صلة الأرحام مؤكدة أيضا ، ولمشاركته الوالدين في القرابة ، ثم باليتامى ، لأنهم لا قدرة لهم تامة على الاكتساب ، وقد جاء : « أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة » وغير ذلك من الآثار ، ثم بالمساكين لما في الإحسان إليهم من الثواب . وتأخرت درجة المساكين ، لأنه يمكنه أن يتعهد نفسه بالاستخدام ، ويصلح معيشته ، بخلاف اليتامى ، فإنهم لصغرهم لا ينتفع بهم ، وهم محتاجون إلى من ينفعهم . وأول هذه التكاليف هو إفراد اللّه بالعبادة ، ثم الإحسان إلى الوالدين ، ثم إلى ذي القربى ، ثم إلى اليتامى ، ثم إلى المساكين . فهذه خمسة تكاليف تجمع عبادة اللّه ، والحض على الإحسان للوالدين ، والمواساة لذي القربى واليتامى والمساكين ، وأفرد ذا القربى ، لأنه أراد به الجنس ، ولأن إضافته إلى المصدر يندرج فيه كل ذي قرابة .
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
: لما ذكر بعد عبادة اللّه الإحسان لمن ذكر ، وكان أكثر المطلوب فيه الفعل من الصلة والإطعام والافتقاد ، أعقب بالقول الحسن ، ليجمع المأخوذ عليه الميثاق امتثال أمر اللّه تعالى في الأفعال والأقوال ، فقال تعالى :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
. ولما كان القول سهل المرام ، إذ هو بذل لفظ ، لا مال ، كان متعلقه بالناس عموما إذ لا ضرر على الإنسان في الإحسان إلى الناس بالقول الطيب . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب : حسنا بفتح الحاء والسين . وقرأ عطاء بن أبي رباح وعيسى بن عمر : حسنا بضمهما . وقرأ أبي وطلحة بن مصرّف : حسنى ، على وزن فعل . وقرأ الجحدري : إحسانا . فأما قراءة الجمهور حسنا ، فظاهره أنه مصدر ، وأنه كان في الأصل قولا حسنا ، أما على حذف مضاف ، أي ذا حسن ، وأما على الوصف بالمصدر لإفراط حسنه ، وقيل : يكون
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : 29 / 8 .