تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
لهم عليكم ؟ أفلا تعقلون فلا تحدثونهم بذلك ؟ وقيل : هو خطاب من اللّه للمؤمنين ، أي أفلا تعقلون أن هؤلاء اليهود لا يؤمنون ، وهم على هذه الصفات الذميمة ، من اتباع أسلافهم المحرّفين كلام اللّه ، والتقليد لهم فيما حرّفوه ، وتظاهرهم بالنفاق ، وغير ذلك مما نعى عليهم ارتكابه ؟ .
أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
: هذا توبيخ من اللّه لهم ، أي إذا كان علم اللّه محيطا بجميع أفعالهم ، وهم عالمون بذلك ، فكيف يسوغ لهم أن ينافقوا ويتظاهروا للمؤمنين بما يعلم اللّه منهم خلافه ، فلا يجامع حالة نفاقهم بحالة علمهم بأن اللّه عالم بذلك ، والأولى حمل ما يسرون وما يعلنون على العموم ، إذ هو ظاهر اللفظ . وقيل الذي أسرّوه الكفر ، والذي أعلنوه الإيمان . وقيل : العداوة والصداقة . وقيل : قولهم لشياطينهم إنا معكم ، وقولهم للمؤمنين آمنا . وقيل : صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتغيير صفته إلى صفة أخرى ، حتى لا تقوم عليهم الحجة . وقرأ ابن محيصن : أو لا تعلمون بالتاء ، قالوا : فيكون ذلك خطابا للمؤمنين ، وفيه تنبيه لهم على جهلهم بعالم السر والعلانية ، ويحتمل أن يكون خطابا لهم ، وفائدته التنبيه على سماع ما يأتي بعده ، ثم أعرض عن خطابهم وأعاد الضمير إلى الغيبة ، إهمالا لهم ، فيكون ذلك من باب الالتفات ، ويكون حكمته في الحالتين ما ذكرناه . وقد تقدم لنا أن مثل
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
،
أَ وَلا يَعْلَمُونَ
، أن الفاء والواو فيهما للعطف ، وأن أصلهما أن يكونا أول الكلام ، لكنه اعتنى بهمزة الاستفهام ، فقدّمت . وذكرنا طريقة الزمخشري في ذلك ، فأغنى عن إعادته . و
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
: يحتمل أن يكون مما سدت فيه أن مسد المفرد ، إذا قلنا : أن يعلمون متعد إلى واحد كعرف ، ويحتمل أن يكون مما سدت فيه أن مسد المفعولين ، إذا قلنا : أن يعلمون متعد إلى اثنين ، كظننت ، وهذا على رأي سيبويه . وأما الأخفش ، فإنها تسد عنده مسد مفعول واحد ، ويجعل الثاني محذوفا ، وقد تقدم لنا ذكر هذا الخلاف ، والعائد على ما محذوف تقديره : يسرّونه ويعلنونه . وظاهر هذا الاستفهام أنه تقرير لهم أنهم عالمون بذلك ، أي بأن اللّه يعلم السر والعلانية ، أي قد علموا ذلك ، فلا يناسبهم النفاق والتكذيب بما يعلمون أنه الحق . وقيل : ذلك تقريع لهم وحث على التفكر ، فيعلمون بالتفكر ذلك . وذلك أنهم لما اعترفوا بصحة التوراة ، وفيها ما يدل على نبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لزمهم الاعتراف بالربوبية ، ودل على أن المعصية ، مع علمهم بها ، أقبح . وفي هذه الآية وما أشبهها دليل على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يغضي عن المنافقين ، مع
البحر المحيط في التفسير — صفحة 443 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل