تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
من عظم النعمة وكثرة المنة ، وإن كان إشارة إلى ما بعد التنجية من السوم ، أو الذبح ، والاستحياء ، فذلك ابتلاء عظيم شاق على النفوس ، يقال إنه سخرهم فبنوا سبعة حوائط جائعة أكبادهم عارية أجسادهم ، وذبح منهم أربعين ألف صبي . فأي ابتلاء أعظم من هذا وكونه عظيما هو بالنسبة للمخاطب والسامع ، لا بالنسبة إلى اللّه تعالى ، لأنه يستحيل عليه اتصافه بالاستعظام . قال القشيري : من صبر في اللّه على بلاء اللّه عوضه اللّه صحبة أوليائه . هؤلاء بنو إسرائيل صبروا على مقاساة الضرّ من فرعون وقومه ، فجعل منهم أنبياء ، وجعل منهم ملوكا ، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، انتهى . ولم تزل النعم تمحو آثار النقم ، قال الشاعر : نأسوا بأموالنا آثار رائدينا ولما تقدم الأمر بذكر النعم مجملة فيما سبق ، أمرهم بذكرها ثانية مفصلة ، فبدأ منها بالتفضيل ، ثم أمرهم باتقاء يوم لا خلاص فيه ، لا بقاض حق ، ولا شفيع ، ولا فدية ، ولا نصر ، لمن لم يذكر نعمه ، ولم يمتثل أمره ، ولم يجتنب نهيه ، وكان الأمر بالاتقاء مهما هنا ، لأن من أخبر بأنه فضل على العالمين ربما استنام إلى هذا التفضيل ، فأعلم أنه لا بد مع ذلك من تحصيل التقوى وعدم الاتكال على مجرد التفضيل ، لأن من ابتدأك بسوابق نعمه ، يجب عليك أن تتقي لواحق نقمه . ثم ثني بذكر الإنجاء الذي به كان سبب البقاء بعد شدة اللأواء . ثم بعد ذلك ذكر تفاصيل النعماء مما نص عليه إلى قوله :
اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ
« 1 » ، فكان تعداد الآلاء مما يوجب جميل الذكر وجليل الثناء . وسيأتي الكلام في ترتيب هذه النعم ، نعمة نعمة ، إن شاء اللّه تعالى .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 50 إلى 53 ]

وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 51 ) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 ) الفرق : الفصل ، فرق بين كذا وكذا : فصل ، وفرق كذا : فصل بعضه من بعض ، ومنه : الفرق في شعر الرأس ، والفريق ، والفرقان ، والتفرق ، والفرق ، المفروق ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 61 .