تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
إن شئت لم تجىء بما ، انتهى كلامه . وقد كثر السماع بعدم النون بعد إما ، قال الشنفري :
فإما تريني كابنة الرمل ضاحيا * على رقة أحفى ولا أتنعل
وقال آخر :
يا صاح إما تجدني غير ذي جدة * فما التخلي عن الإخوان من شيمي
وقال آخر :
زعمت تماضر أنني إما أمت * تسددا بينوها الأصاغر خلتي
والقياس يقبله ، لأن ما زيدت حيث لا يمكن دخول النون ، نحو قول الشاعر :
إمّا أقمت وإمّا كنت مرتحلا * فاللّه يحفظ ما تبقى وما تذر
فكما جاءت هنا زائدة بعد أن ، فكذلك في نحو : إما تقم يأتينكم ، مبني مفتوح الآخر . واختلف في هذه الفتحة أهي للبناء ، أم بني على السكون وحرك بالفتحة لالتقاء الساكنين : وقد أوضحنا ذلك في كتابنا المسمى ( بالتكميل لشرح التسهيل ) .
مِنِّي
: متعلق بيأتينكم ، وهذا شبيه بالالتفات ، لأنه انتقل من الضمير الموضوع للجمع ، أو المعظم نفسه ، إلى الضمير الخاص بالمتكلم المفرد . وقد ذكرنا حكمة ذاك الضمير في : قلنا ، عند شرح قوله :
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ
« 1 » ، وحكمة هذا الانتقال هنا أن الهدى لا يكون إلا منه وحده تعالى ، فناسب الضمير الخاص كونه لا هادي إلا هو تعالى ، فأعطى الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره الضمير الخاص الذي لا يحتمل غيره تعالى . وفي قوله : مني ، إشارة إلى أن الخير كله منه ، ولذلك جاء :
قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
« 2 » ، و
قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ
« 3 » ، فأتى بكلمة : من ، الدالة على الابتداء في الأشياء ، لينبه على أن ذلك صادر منه ومبتدأ من جهته تعالى ، وأتى بأداة الشرط في قوله :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
، وهي تدخل على ما يتردد في وقوعه ، والذي أنبهم زمان وقوعه ، وإتيان الهدى واقع لا محالة ، لأنه أنبهم وقت الإتيان ، أو لأنه آذن ذلك بأن توحيد اللّه تعالى ليس شرطا فيه إتيان رسل منه ، ولا إنزال كتب بذلك ، بل لو لم يبعث رسلا ، ولا أنزل كتبا ، لكان الإيمان به واجبا ، وذلك لما ركب فيهم من العقل ، ونصب لهم من الأدلة ، ومكن لهم من الاستدلال ، كما قال :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 35 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 174 . ( 3 ) سورة يونس : 10 / 57 .