تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
تبت وأصلحت أراجعي إلى الجنة ؟ قال : « نعم » . وزاد قتادة في هذا : « وسبقت رحمتك إليّ قبل غضبك ؟ قيل له بلى ، قال : رب هل كتبت هذا عليّ قبل أن تخلقني ؟ قيل له : نعم ، فقال : رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة ؟ قيل له : « نعم » . و قال قتادة هي : « أستغفرك وأتوب إليك إنك أنت التوّاب الرحيم » . و قال عبيد بن عمير ، قال : « يا رب خطيئتي التي أخطأتها أشيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني ؟ أو شيء ابتدعته من قبل نفسي ؟ قال : بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك ، قال : « فكما كتبت عليّ فاغفر لي » . و قيل إنها : « سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور » . وقيل : رأى مكتوبا على ساق العرش محمد رسول اللّه ، فتشفع بذلك فهي الكلمات . و قيل : قوله حين عطس : « الحمد للّه » . وقيل : هي الدعاء والحياء والبكاء . وقيل : الاستغفار والندم والحزن . قال ابن عطية : وسماها كلمات ، مجازا لما هي في خلقها صادرة عن كلمات ، وهي : « كن في كل واحدة منهن » ، وهذا قول يقتضي أن آدم لم يقل شيئا إلا الاستغفار المعهود . انتهى كلامه .
فَتابَ عَلَيْهِ
: أي تفضل عليه بقبول توبته وأفرده بالإخبار عنه بالتوبة عليه ، وإن كانت زوجته مشاركة له في الأمر بالسكنى والنهي عن قربان الشجرة وتلقي الكلمات والتوبة ، لأنه هو المواجه بالأمر والنهي ، وهي تابعة له في ذلك . فكملت القصة بذكره وحده ، كما جاء في قصة موسى والخضر ، إذ جاء
حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ
« 1 » ، فحملاهما بغير نول ، وكان مع موسى يوشع ، لكنه كان تابعا لموسى فلم يذكره ولم يجمع معهما في الضمير ، أو اكتفى بذكر أحدهما ، إذ كان فعلهما واحدا ، نحو قوله تعالى :
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
« 2 » ،
فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى
« 3 » ، أو طوى ذكرها كما طواه عند ذكر المعصية في قوله :
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
« 4 » . وقد جاء طي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة ، وقد ذكرها في قوله :
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
« 5 » ، وإنما لم يراع هذا الستر في امرأتي نوح ولوط لأنهما كانتا كافرتين ، وقد ضرب بهما المثل للكفار ، لأن ذنوبهما كانت غاية في القبح والفحش . والكافر لا يناسب الستر عليه ولا الإغضاء عن ذنبه ، بل ينادى عليه ليكون ذلك أخزى له وأحط
هامش
( 1 ) سورة الكهف : 18 / 71 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 62 . ( 3 ) سورة طه : 20 / 117 . ( 4 ) سورة طه : 20 / 121 . ( 5 ) سورة الأعراف : 7 / 23 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 268 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل