وذاك النداء ، والضمير في أنبئهم عائد إلى الملائكة ، وفي بأسمائهم عائد على المعروضين على الخلاف السابق . قال القشيري : من آثار العناية بآدم عليه السلام لما قال للملائكة :
أنبئوني ، داخلهم من هيبة الخطاب ما أخذهم عنهم ، لا سيما حين طالبهم بإنبائهم إياه ما لم تحط بهم علومهم . ولما كان حديث آدم رده في الإنباء إليهم فقال :
أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ
، ومخاطبة آدم للملائكة لم توجب الاستغراق في الهيبة . فلما أخبرهم آدم عليه السلام بأسماء ما تقاصرت عنه علومهم ، ظهرت فضيلته عليهم فقال :
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ
، يعني ما تقاصرت عنه علوم الخلق وأسلم ما تبدون من الطاعات وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم . انتهى كلام القشيري .
والجملة المفتتحة بالقول إذا كانت مرتبا بعضها على بعض في المعنى ، فالأصح في لسان العرب أنها لا يؤتى فيها بحرف ترتب ، اكتفاء بالترتيب المعنوي ، نحو قوله تعالى :
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها
، أتى بعده ،
قالَ إِنِّي أَعْلَمُ
، ونحو :
قالُوا سُبْحانَكَ
،
قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ
، ونحو :
قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ
« 1 » ،
قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ
« 2 » ،
قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
،
قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ
« 3 » ،
قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
،
قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ
« 4 » . وقد جاء في سورة الشعراء من ذلك عشرون موضعا في قصة موسى ، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام ، في إرساله إلى فرعون ومحاورته معه ، ومحاورة السحرة ، إلى آخر القصة ، دون ثلاثة ، جاء منها اثنان جوابا وواحد كالجواب ، ونحو هذا في القرآن كثير . وقرأ الجمهور :
أنبئهم بالهمز وضم الهاء ، وهذا الأصل كما تقول : أكرمهم . وروي عن ابن عباس : أنبئهم بالهمز وكسر الهاء ، ووجهه أنه أتبع حركة الهاء لحركة الباء ، ولم يعتد بالهمزة لأنها ساكنة ، فهي حاجز غير حصين . وقرئ : أنبيهم ، بإبدال الهمزة ياء وكسر الهاء . وقرأ الحسن والأعرج وابن كثير من طريق القواس : أنبهم ، على وزن أعطهم ، قال ابن جني : هذا على إبدال الهمزة ياء ، على أنك تقول : أنبيت ، كأعطيت ، قال : وهذا ضعيف في اللغة لأنه بدل لا تخفيف . والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر . انتهى كلام أبي الفتح . وما ذكر من أنه لا يجوز إلا في ضرورة الشعر ليس بصحيح .
حكى الأخفش في الأوسط : أن العرب تحول من الهمزة موضع اللام ياء ، فيقولون :
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 27 .
( 2 ) سورة البقرة : 2 / 259 .
( 3 ) سورة البقرة : 2 / 259 .
( 4 ) سورة البقرة : 2 / 260 .