تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
أكثر العرب شروط ذكرت في النحو ، وبنو سليم يفتحونها بعده من غير شرط ، وقال شاعرهم :
إذا قلت إني آئب أهل بلدة * نزعت بها عنها الولية بالهجر
جاعل : اسم فاعل بمعنى الاستقبال ، ويجوز إضافته للمفعول إلا إذا فصل بينهما كهذا ، فلا يجوز ، وإذا جاز إعماله ، فهو أحسن من الإضافة ، نص على ذلك سيبويه ، وقال الكسائي : هما سواء ، والذي أختاره أن الإضافة أحسن ، وقد ذكرنا وجه اختيارنا ذلك في بعض ما كتبناه في العربية . وفي الجعل هنا قولان : أحدهما : أنه بمعنى الخلق ، فيتعدى إلى واحد ، قاله أبو روق ، وقريب منه ما روي عن الحسن وقتادة أنه بمعنى فاعل ، ولم يذكر ابن عطية غير هذا . والثاني : أنه بمعنى التصيير ، فيتعدى إلى اثنين . والثاني هو في الأرض ، أي : مصير في الأرض خليفة ، قاله الفراء ، ولم يذكر الزمخشري غيره . وكلا القولين سائغ ، إلا أن الأول عندي أجود ، لأنهم قالوا :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
؟ فظاهر هذا أنه مقابل لقوله :
جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
. فلو كان الجعل الأول على معنى التصيير لذكره ثانيا ، فكان : أتجعل فيها خليفة من يفسد فيها ؟ وإذا لم يأت كذلك ، كان معنى الخلق أرجح . ولا احتياج إلى تقدير خليفة لدلالة ما قبله عليه ، لأنه إضمار ، وكلام بغير إضمار أحسن من كلام بإضمار ، وجعل الخبر اسم فاعل ، لأنه يدل على الثبوت دون التجدد شيئا شيئا . والجعل : سواء كان بمعنى الخلق أو التصيير ، وكان آدم هو الخليفة على أحسن الفهوم ، لم يكن إلا مرة واحدة ، فلا تكرر فيه ، إذ لم يخلقه أو لم يصيره خليفة إلا مرة واحدة . وقوله : في الأرض : ظاهره الأرض كلها ، وهو قول الجمهور . وقيل : أرض مكة . وروى ابن سابط هذا التفسير بأنها أرض مكة مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن صح ذلك لم يعدل عنه ، قيل : ولذلك سمي وسطها بكة ، لأن الأرض بكت من تحتها ، واختصت بلا ذكر لأنها مقر من هلك قومه من الأنبياء ، ودفن بها نوح وهود وصالح بين المقام والركن ، وتكون الألف واللام فيها للعهد نحو :
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ
« 1 » ،
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ *
« 2 »
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ
« 3 » ، وقال الشاعر :
هامش
( 1 ) سورة يوسف : 12 / 80 . ( 2 ) سورة يوسف : 12 / 21 . ( 3 ) سورة القصص : 28 / 5 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 226 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل