تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
سبب النزول ، والعموم هو الظاهر . فكل من نقض عهد اللّه من مسلم وكافر ومنافق أو مشرك أو كتابي تناوله هذا الذم ، ومن متعلقة بقوله ينقضون ، وهي لابتداء الغاية ، ويدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل بينهما ، وفي ذلك دليل على عدم اكتراثهم بالعهد ، فإثر ما استوثق اللّه منهم نقضوه . وقيل : من زائدة وهو بعيد ، والميثاق مفعول من الوثاقة ، وهو الشدّ في العقد ، وقد ذكرنا أنه العهد المؤكد باليمين . وليس المعنى هنا على ذلك ، وإنما كنى به عن الالتزام والقبول . قال أبو محمد بن عطية : هو اسم في موضع المصدر ، كما قال عمرو بن شييم :
أكفرا بعد رد الموت عني * وبعد عطائك المائة الرتاعا
أراد بعد إعطائك ، انتهى كلامه . ولا يتعين ما ذكر ، بل قد أجاز الزمخشري أن يكون بعد التوثقة ، كما أن الميعاد بمعنى الوعد ، والميلاد بمعنى الولادة ، وظاهر كلام الزمخشري أن يكون مصدرا ، والأصل في مفعال أن يكون وصفا نحو : مطعام ومسقام ومذكار . وقد طالعت كلام أبي العباس بن الحاج ، وكلام أبي عبد اللّه بن مالك ، وهما من أوعب الناس لأبنية المصادر ، فلم يذكرا مفعالا في أبنية المصادر . والضمير في ميثاقه عائد على العهد لأنه المحدث عنه ، وأجيز أن يكون عائدا على اللّه تعالى ، أي من توثيقه عليهم ، أو من بعد ما وثق به عهده على اختلاف التأويلين في الميثاق . قال أبو البقاء : إن أعدت الهاء على اسم اللّه كان المصدر مضافا إلى الفاعل ، وإن أعدتها إلى العهد كان مضافا إلى المفعول ، وهذا يدل على أن الميثاق عنده مصدر .
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
: وما موصولة بمعنى الذي ، وفيه خمسة أقوال : أحدها : أنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قطعوه بالتكذيب والعصيان ، قاله الحسن وفيه ضعف ، إذ لو كان كما قال لكان من مكان ما . الثاني : القول : أمر اللّه أن يوصل بالعمل فقطعوا بينهما ، قالوا : ولم يعملوا ، يشير إلى أنها نزلت في المنافقين
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
« 1 » . الثالث : التصديق بالأنبياء ، أمروا بوصله فقطعوه بتكذيب بعض وتصديق بعض . الرابع : الرحم والقرابة ، قاله قتادة ، وهذا يدل على أنه أراد كفار قريش ومن أشبههم . الخامس : أنه على العموم في كل ما أمر اللّه به أن يوصل ، وهذا هو الأوجه ، لأن فيه حمل اللفظ على مدلوله من العموم ، ولا دليل واضح على الخصوص .
هامش
( 1 ) سورة الفتح : 48 / 11 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 206 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل