تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وقيل : يضل بمعنى يعذب ، كقوله تعالى :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ
« 1 » ، قاله بعض المعتزلة ، وردّ القفال هذا وقال : بل المراد في الشاهد في ضلال عن الحق وجوز ابن عطية أن يكون قوله :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً
من كلام الكفار ، ويكون قوله :
وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
إلى آخر الآية ، من كلام اللّه تعالى . وهذا الذي جوزه ليس بظاهر لأنه إلباس في التركيب ، لأن الكلام إما أن يجري على أنه من كلام الكفار ، أو يجرى على أنه من كلام اللّه . وأما أن يجري بعضه على أنه من كلام الكفار وبعضه من كلام اللّه تعالى من غير دليل على ذلك فإنه يكون إلباسا في التركيب ، وكتاب اللّه منزه عنه . وقرأ زيد بن علي : يضلّ به كثير ويهدي به كثير وما يضل به إلا الفاسقون ، في الثلاثة على البناء للمفعول . وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة ، في الثلاثة على البناء للفاعل الظاهر ، مفتوح حرف المضارعة . قال عثمان بن سعيد الصيرفي : هذه قراءة القدرية . وروي عن ابن مسعود أنه قرأ : يضلّ بضمّ الياء في الأول ، وما يضلّ به بفتح الياء ، والفاسقون بالواو ، وكذا أيضا في القراءتين السابقتين ، وهي قراءات متجهة إلى أنها مخالفة للمصحف المجمع عليه . والظاهر أن الضمير في به في الثلاثة عائد على مثلا ، وهو على حذف المضاف ، أي يضرب المثل . وقيل : الضمير في به من قوله :
يُضِلُّ بِهِ
، أي بالتكذيب في به من قوله :
وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
، أي بالتصديق . ودلّ على ذلك قوة الكلام في قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ
. ومعنى :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
، أي : وما يكون ذلك سببا للضلالة إلا عند من خرج عن الحق . وقال بعض أهل العلم : معنى يضلّ ويهدي : الزيادة في الضلال والهدى ، لا أن ضرب المثل سبب للضلالة والهدى ، فعلى هذا يكون التقدير : نزيد من لم يصدق به وكفر ضلالا على ضلاله ، ومن آمن به وصدق إيمانا على إيمانه . والفاسقين : مفعول يضلّ لأنه استثناء مفرغ ، ومنع أبو البقاء أن يكون منصوبا على الاستثناء . ويكون مفعول يضل محذوفا تقديره : وما يضل به أحدا إلا الفاسقين ، وليس بممتنع ، وذلك أن الاسم بعد إلا : إما أن يفرغ له العامل ، فيكون على حسب العامل نحو : ما قام إلا زيد ، وما ضربت إلا زيدا ، وما مررت إلا بزيد ، إذا جعلت زيدا وبزيد معمولا للعامل قبل لا ، أو لا يفرغ . وإذا لم يفرغ ، فأما أن يكون العامل طالبا مرفوعا ، فلا يجوز إلا ذكره قبل إلا ، وإضماره إن كان مما يضمر ، أو منصوبا ، أو مجرورا ، فيجوز حذفه لأنه فضلة وإثباته . فإن حذفته كان الاسم
هامش
( 1 ) سورة القمر : 54 / 47 .