تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وقرأ ابن محيصن وشبل : يمدهم . وتروى عن ابن كثير : ونسبة المد إلى اللّه حقيقة ، إذ هو موجد الأشياء والمنفرد باختراعها . والمعنى : أن اللّه تعالى يطول لهم في الطغيان . وقد ذهب الزمخشري إلى تأويل المد المنسوب إلى اللّه تعالى بأنه منع الألطاف وخذلانهم بسبب كفرهم وإصرارهم ، بقيت قلوبهم تتزايد الظلمة فيها تزايد النور في قلوب المؤمنين ، فسمى ذلك التزايد مدا وأسند إلى اللّه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم ، أو بأن المد هو على معنى القسر والإلجاء . قال : أو على أن يسند فعل الشيطان إلى اللّه لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده ، وإنما ذهب إلى التأويل في المد لأن مد اللّه لهم في الطغيان قبيح ، واللّه منزه عن فعل القبيح . والتأويل الأول الذي ذكره الزمخشري : قول الكعبي ، وأبي مسلم . وقال الجبائي : هو المد في العمر ، وعندنا نحن أن اللّه خالق الخير والشر ، وهو الهادي والمضل . وقد تقدم الكلام في نحو من هذا عند قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
ومد اللّه في طغيانهم ، التمكين من العصيان ، قاله ابن مسعود ، أو الإملاء ، قاله ابن عباس ، أو الزيادة من الطغيان ، قاله مجاهد ، أو الإمهال ، قاله الزجاج وابن كيسان ، أو تكثير الأموال ، والأولاد ، وتطييب الحياة ، أو تطويل الأعمار ، ومعافاة الأبدان ، وصرف الرزايا ، وتكثير الأرزاق . وقرأ زيد بن علي : في طغيانهم بكسر الطاء ، وهي لغة ، يقال : طغيان بالضم والكسر ، كما قالوا : القيان ، وغينان ، بالضم والكسر . وأمال الكسائي في طغيانهم ، وأضاف الطغيان إليهم لأنه فعلهم وكسبهم ، وكل فعل صدر من العبد صحت إضافته إليه بالمباشرة ، وإلى اللّه بالاختراع . وما فسر به العمة يحتمله قوله تعالى :
يَعْمَهُونَ
، فيكون المعنى : يترددون ويتحيرون ، أو يعمون عن رشدهم ، أو يركبون رؤوسهم ولا يبصرون . قال بعض المفسرين : وهذا التفسير الأخير أقرب إلى الصواب لأنهم لم يكونوا مترددين في كفرهم ، بل كانوا مصرين عليه ، معتقدين أنه الحق ، وما سواه الباطل . يعمهون : جملة في موضع الحال ، نصب على الحال ، إما من الضمير في يمدهم وإما من الضمير في طغيانهم لأنه مصدر مضاف للفاعل ، وفي طغيانهم يحتمل أن يكون متعلقا بيمدهم ، ويحتمل أن يكون متعلقا بيعمهون . ومنع أبو البقاء أن يكون في طغيانهم ويعمهون حالين من الضمير في يمدهم ، قال : لأن العامل لا يعمل في حالين . انتهى كلامه . وهذا الذي ذهب إليه يحتاج إلى تقييد ، وهو أن تكون الحالان لذي حال واحد ، فإن