والهزل ، واللعب . واللّه تعالى منزه عن ذلك ، فلا يصح إضافة الاستهزاء الذي هذه دواعيه إلى اللّه تعالى .
فيحتمل أن يكون الاستهزاء المسند إلى اللّه تعالى كناية عن مجازاته لهم ، وأطلق اسم الاستهزاء على المجازاة ليعلم أن ذلك جزاء الاستهزاء ، أو عن معاملته لهم بمثل ما عاملوا به المؤمنين ، فأجرى عليهم أحكام المؤمنين من حقن الدم ، وصون المال ، والإشراك في المغنم ، مع علمه بكفرهم . وأطلق على الشيء ما أشبهه صورة لا معنى ، أو عن التوطئة والتجهيل ، لإقامتهم على كفرهم ، وسمى التوطئة لهم استهزاء لأنه لم يعجل لهم العقوبة ، بل أملى ، وأخرهم إلى الآخرة ، أو عن فتح باب الجنة فيسرعون إليه فيغلق ، فيضحك منهم المؤمنون ، أو عن خمود النار فيمشون فيخسف بهم ، أو عن ضرب السور بينهم وبين المؤمنين وهو السور المذكور في الحديد ، أو عن قوله تعالى :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
« 1 » ، أو عن تجديد اللّه لهم نعمة كلما أحدثوا ذنبا ، فيظنون أن ذلك لمحبة اللّه لهم ، أو عن الحيلولة بين المنافقين وبين النور الذي يعطاه المؤمنون ، كما ذكروا أنه روي في الحديث ، أو عن طردهم عن الجنة ، إذا أمر بناس منهم إلى الجنة ودنوا منها ووجدوا ريحها ونظروا إلى ما أعد اللّه فيها لأهلها ، وهو حديث فيه طول ، روي عن عدي بن حاتم ، ونحا هذا المنحى ابن عباس ، والحسن .
وفي مقابلة استهزائهم بالمؤمنين باستهزاء اللّه بهم ما يدل على عظم شأن المؤمنين وعلو منزلتهم ، وليعلم المنافقون أن اللّه هو الذي يذب عنهم ويحارب من حاربهم . وفي افتتاح الجملة باسم اللّه التفخيم العظيم ، حيث صدرت الجملة به ، وجعل الخبر فعلا مضارعا يدل عندهم على التجدد والتكرر ، فهو أبلغ في النسبة من الاستهزاء المخبر به في قولهم ، ثم في ذلك التنصيص على الذين يستهزئ اللّه بهم ، إذ عدى الفعل إليهم فقال : يستهزئ بهم وهم لم ينصوا حين نسبوا الاستهزاء إليهم على من تعلق به الاستهزاء ، فلم يقولوا : إنما نحن مستهزءون بهم وذلك لتحرجهم من إبلاغ ذلك للمؤمنين فينقمون ذلك عليهم ، فأبقوا اللفظ محتملا أن لو حوققوا على ذلك لكان لهم مجال في الذب عنهم أنهم لم يستهزءوا بالمؤمنين . ألا ترى إلى مداراتهم عن أنفسهم بقولهم : آمنا باللّه وباليوم الآخر ، وبقولهم :
إذا لقوهم قالوا آمنا ، فهم عند لقائهم لا يستطيعون إظهار المداراة ، ولا مشاركتهم بما يكرهون ، بل يظهرون الطواعية والانقياد .
هامش
( 1 ) سورة الدخان : 44 / 49 .