تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 20 إلى 21 ]

وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ( 20 ) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 ) لئلا يذعرنّ ، حتى دخلن مساكنهنّ ، ثم دعا بالدعوة . 20 -
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ
مكي وعليّ وعاصم ، وغيرهم بسكون الياء . والتفقد طلب ما غاب عنك
لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ
أم بمعنى بل ، والمعنى أنه تعرّف الطير فلم يجد فيها الهدهد ، فقال : ما لي لا أراه ، على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره ، أو غير ذلك ، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك ، وأخذ يقول بل هو غائب ، وذكر أنّ سليمان عليه السّلام لما حجّ خرج إلى اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال ، فنزل ليصلي فلم يجد الماء ، وكان الهدهد قناقنه « 1 » ، وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة ، فتستخرج الشياطين الماء ، فتفقده لذلك ، وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال ، فدعا عريف الطير وهو النسر ، فسأله عنه ، فلم يجد عنده علمه ، ثم قال لسيد الطير وهو العقاب عليّ به ، فارتفع ، فنظر ، فإذا هو مقبل ، فقصده ، فناشده اللّه ، فتركه ، فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض ، وقال : يا نبي اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه ، فارتعد سليمان وعفا عنه . 21 -
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً
بنتف ريشه وإلقائه في الشمس ، أو بالتفريق بينه وبين إلفه ، أو بإلزامه خدمة أقرانه ، أو بالحبس مع أضداده ، وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد ، أو بإيداعه القفص ، أو بطرحه بين يدي النمل ليأكلنه « 2 » ، وحلّ له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة ، كما حلّ ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع ، وإذا سخّر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بالنون الثقيلة ليشاكل قوله لأعذبنه ، وحذف نون العماد للتخفيف . ليأتينني بنونين مكي ، الأولى للتأكيد والثانية للعماد
بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته ، والإشكال أنه حلف على أحد ثلاثة أشياء : اثنان منها فعله ولا مقال فيه والثالث فعل الهدهد وهو مشكل لأنه من أين درى أنه يأتي بسلطان حتى قال واللّه ليأتيني بسلطان ؟ وجوابه أنّ معنى كلامه ليكوننّ أحد الأمور يعني إنّ كان
هامش
( 1 ) القناقن : البصير بالماء في حفر القنيّ ( القاموس 4 / 261 ) . ( 2 ) في ( ز ) ليأكله .