تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 5 إلى 6 ]

قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) بمعنى مع أي رأيت الكواكب مع الشمس والقمر ، وأجريت مجرى العقلاء في
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
لأنه وصفها بما هو المختص بالعقلاء وهو السجود ، وكررت الرؤيا لأنّ الأولى تتعلق بالذات والثانية بالحال ، أو الثانية كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له ، كأن أباه قال له : كيف رأيتها ؟ فقال : رأيتهم لي ساجدين ، أي متواضعين ، وهو حال ، وكان ابن ثنتي عشرة سنة يومئذ ، وكان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة أو ثمانون . 5 -
قالَ يا بُنَيَّ
بالفتح حيث كان حفص
لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ
هي بمعنى الرؤية إلّا أنّها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة ، وفرّق بينهما بحرفي التأنيث كما في القربة والقربى
عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ
جواب النهي ، أي إن قصصتها عليهم كادوك . عرف يعقوب عليه السّلام أنّ اللّه يصطفيه للنبوة ، وينعم عليه بشرف الدارين ، فخاف عليه حسد الإخوة ، وإنما لم يقل فيكيدوك كما قال فكيدوني لأنه ضمّن معنى فعل يتعدى باللام ليفيد معنى فعل الكيد مع إفادة معنى الفعل المضمّن ، فيكون آكد وأبلغ في التخويف ، وذلك نحو فيحتالوا لك ، ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر وهو
كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ
ظاهر العداوة فيحملهم على الحسد والكيد . 6 -
وَكَذلِكَ
ومثل ذلك الاجتباء الذي دلت عليه رؤياك
يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ
يصطفيك ، والاجتباء الاصطفاء افتعال من جبيت الشيء إذا حصّلته لنفسك ، وجبيت الماء في الحوض جمعته
وَيُعَلِّمُكَ
كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه ، كأنه قيل وهو يعلّمك
مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
أي تأويل الرؤيا ، وتأويلها عبارتها وتفسيرها ، وكان يوسف أعبر الناس للرؤيا ، أو تأويل أحاديث الأنبياء وكتب اللّه ، وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ
بأن وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة ، أي جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكا ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة ، وآل يعقوب أهله وهم نسله وغيرهم ، وأصل آل أهل بدليل تصغيره على أهيل إلّا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر ، يقال آل النبي وآل الملك ولا يقال آل الحجّام ولكن أهله ، وإنما علم يعقوب أنّ يوسف يكون نبيا وإخوته أنبياء استدلالا