تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
على جواز الرؤية ، فإنّ موسى عليه السّلام اعتقد أنّ اللّه تعالى مرئيّ « 1 » حتى سأله واعتقاد جواز ما لا يجوز على اللّه كفر
قالَ لَنْ تَرانِي
بالسؤال بعين فانية بل بالعطاء ، والنوال بعين باقية ، وهو دليل لنا أيضا لأنه لم يقل لن أرى ليكون نفيا للجواز ، ولو لم يكن مرئيا لأخبر بأنه ليس بمرئيّ ، إذ الحالة حالة الحاجة إلى البيان
وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ
بقي على حاله
فَسَوْفَ تَرانِي
وهو دليل لنا أيضا لأنه علّق الرؤية باستقرار الجبل وهو ممكن ، وتعليق الشيء بما هو ممكن يدلّ على إمكانه ، كالتعليق بالممتنع يدلّ على امتناعه ، والدليل على أنه ممكن قوله
جَعَلَهُ دَكًّا
ولم يقل اندكّ ، وما أوجده تعالى كان جائزا أن لا يوجد لو لم يوجده ، لأنه مختار في فعله ، ولأنه تعالى ما أيأسه « 2 » عن ذلك ولا عاتبه عليه ، ولو كان ذلك محالا لعاتبه كما عاتب نوحا عليه السّلام بقوله :
إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
« 3 » حيث سأل إنجاء ابنه من الغرق
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ
أي ظهر وبان ظهورا بلا كيف ، قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : معنى التجلي للجبل ما قال « 4 » الأشعري إنه تعالى خلق في الجبل حياة وعلما ورؤية حتى رأى ربّه ، وهذا نص في إثبات كونه مرئيا ، وبهذه الوجوه يتبين جهل منكري الرؤية ، وقولهم بأنّ موسى عليه السّلام كان عالما بأنه لا يرى ولكن طلب قومه أن يريهم ربّه كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
« 5 » فطلب الرؤية ليبيّن اللّه تعالى أنه ليس بمرئي باطل « 6 » ، إذ لو كان كما زعموا لقال أرهم ينظروا إليك ، ثم يقول له لن يروني ، ولأنها لو لم تكن جائزة لما أخّر موسى عليه السّلام الردّ عليهم بل كان يردّ عليهم وقت قرع كلامهم سماعه « 7 » لما فيه من التقرير على الكفر وهو عليه السلام بعث لتغييره لا لتقريره ، ألا ترى أنهم لما قالوا له
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
لم يمهلهم بل ردّ عليهم من ساعته بقوله :
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
جَعَلَهُ دَكًّا
مدكوكا مصدر بمعنى مفعول « 8 » ، كضرب الأمير ، والدقّ والدكّ أخوان . دكّاء ، حمزة وعليّ ، أي مستوية بالأرض لا أكمة فيها ، ناقة دكاء لا سنام لها
وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
حال ، أي سقط مغشيا عليه
فَلَمَّا أَفاقَ
من صعقته
قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
من السؤال في الدنيا
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
بعظمتك وجلالك أو بأنك لا تعطي الرؤية في الدنيا مع جوازها ،
هامش
( 1 ) في ( ز ) يرى . ( 2 ) في ( ز ) آيسه . ( 3 ) هود ، 11 / 46 . ( 4 ) في ( ز ) قاله . ( 5 ) البقرة ، 2 / 55 . ( 6 ) باطل : أي قول قوم موسى عليه السّلام . ( 7 ) في ( ز ) سمعه . ( 8 ) في ( ز ) مصدر بمصدر بمعنى المفعول .