واختلف في هذا الاستثناء ، هل هو على تفضيل المفضّل أو احتماله ؟ فمنهم من قال :
إنه مفضّل بتفضيل المسجد الحرام على مسجد المدينة . ومنهم من قال : إنه محتمل ، وهو الصحيح ، لأن كل « 1 » تأويل تضمّن فيه مقدارا يجوز تقديره على خلافه ، على أنه
قد روى من طريق لا بأس بها أن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم قال : صلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، فإن صلاة فيه خير من مائة صلاة في مسجدى
، ولو صح هذا لكان نصّا .
المسألة الثانية - المساجد وإن كانت للّه ملكا وتشريفا فإنها قد نسبت إلى غيره تعريفا ، فيقال : مسجد فلان .
وفي صحيح الحديث أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم سابق بين الخيل التي أضمرت من الحيفاء « 2 » ، وأمدها ثنيّة الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بنى زريق ، وتكون هذه الإضافة بحكم المحلية ، كأنها في قبلتهم ، وقد تكون بتحبيسهم ، فإن الأرض للّه ملكا ، ثم يخص بها من يشاء ، فيردها إليه ، ويعيّنها لعبادته ، فينفذ ذلك بحكمه ، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر « 3 » وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك .
المسألة الثالثة - إذا تعيّنت للّه أصلا ، وعينت له عقدا ، فصارت عتيقة عن التملك ، مشتركة بين الخليقة في العبادة فإنه يجوز اتخاذ الأبواب لها ، ووضع الأغلاق عليها من باب الصيانة لها ، فهذه الكعبة بأبوابها ، وكذلك أدركنا المساجد الكريمة .
وفي البخاري مدرجا ، وفي كتاب أبى داود مسندا : كانت الكلاب تقبل وتدبر ، وتبول في المسجد ، فلا يرشون ذلك ، وهذا لأنه لم يكن للمسجد « 4 » حينئذ باب ، ثم اتخذ له الباب بعد ذلك ، ولم يكن ترك الباب له شرعا ، وإنما كان من تقصير النفقة واختصار الحالة .
هامش
( 1 ) في م ، ش : لكن .
( 2 ) الحيفاء : موضع بالمدينة .
( 3 ) في ا : المعابر .
( 4 ) في ش ، م : له .