الثاني يرجع إلى ما يليه « 1 » ، ولا يتعلّق بالأول من الكلام تعلّق الأول من الاستثناء به ، لاستحالة ذلك فيه .
وبيانه الآن على اختصار لكم أنّا لو علّقناه بالأول كما علقناه بما يليه لكان ذلك تناقضا ، وصار الكلام نفيا لما أثبت ، وإثباتا لما نفى ، وذلك لأن الاستثناء من الإثبات نفى ، ومن النفي إثبات ، فإذا كان الأول إثباتا فالاستثناء منه نفى . ثم إن استثنى من النفي فإنما يستثنى به إثبات ، فيصير هذا المستثنى الآخر « 2 » منفيا بالاستثناء الأول مثبتا بالثاني ، وهذا تناقض ، وبسطه وإيضاحه في الأصول ، فأبان اللّه تعالى بقوله « 3 » :
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ .
إلا آل لوط فليسوا منهم ، إلا امرأته فإنها خارجة عن آله ، فترتّب عليها من الفقه قول المقرّ :
عندي عشرة إلا ثلاثة إلا واحدا ، فثبت الإقرار بثمانية ، ويترتب عليه قول المطلّق لزوجته :
أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة ، فتكون اثنتين ، وهذا ظاهر فأغنى عن الإطناب « 4 » فيه .
الآية الرابعة - قوله تعالى « 5 » :
قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
.
لما تداعى أهل المدينة إلى دار لوط حين رأوا وسمعوا بجمال أضيافه ، وحسن شارتهم ، قصدا للفاحشة فيهم ، تحرّم لهم لوط بالضيافة ، وسألهم ترك الفضيحة ، وإتيان المراعاة ، فلما قالوا له « 6 » :
أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ
- قال لهم لوط : إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فهؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين .
ولا يجوز على الأنبياء صلوات اللّه عليهم أن يعرضوا بناتهم على الفاحشة فداء لفاحشة أخرى ، وإنما معناه هؤلاء بنات أمتي ، لأنّ كلّ نبىّ أزواجه أمهات أمته ، وبناتهم بناته ، فأشار عليهم بالتزويج الشرعي ، وحملهم على النكاح الجائز كسرا لسورة الغلمة ، وإطفاء لنار الشهوة ، كما قال تعالى « 7 » :
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ . وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
الآيتين . واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) في م : يرجع إلى ما قبله .
( 2 ) في م : الأخير .
( 3 ) آية 58 .
( 4 ) في ا : ظاهر على الإطناب فيه .
( 5 ) آية 71 .
( 6 ) آية 70 .
( 7 ) سورة الشعراء ، آية 165 ، 166 .