تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ
قلت : ما أرى ربّك إلّا يسارع في هواك .
السادس -
ثبت في الصحيح أيضا ، عن عائشة أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منّا بعد أن نزلت هذه الآية :
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ ، وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ
، فقيل لها : ما كنت تقولين ؟
قالت : كنت أقول : إن كان الأمر إلىّ فإني لا أريد - يا رسول اللّه - أن أوثر عليك أحدا .
وبعض هذه الأقوال يتداخل مع ما قدمناه في سبب نزولها ، وهذا الذي ثبت في الصحيح ، وهو الذي ينبغي أن يعوّل عليه .
والمعنى المراد هو أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كان مخيّرا في أزواجه إن شاء أن يقسم ، وإن شاء أن يترك القسم ترك ، لكنه كان يقسم من قبل نفسه دون فرض ذلك عليه ، فإن قول من قال إنه قيل له : انكح من شئت ، واترك من شئت ، فقد أفاده قوله :
إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ ، وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
.
حسبما تقدم « 1 » ، بيانه من الابتداء في ذلك والانتهاء إلى آخر الآية ، فهذا القول يحمل على فائدة مجردة « 2 » ، فأما وجوب القسم فإن النكاح يقتضيه ، ويلزم الزوج ، فخصّ النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك بأن جعل الأمر فيه إليه .
فإن قيل : فكيف يقال : إنّ القسم غير واجب على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو - عليه السلام - كان يعدل بين أزواجه في القسم ، ويقول : هذه قدرتي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك - يعنى قلبه ، لإيثار عائشة دون أن يكون يظهر ذلك في شيء من فعله .
قلنا : ذلك من خلال النبي صلى اللّه عليه وسلم وفضله ، فإنّ اللّه عز وجل أعطاه سقوطه « 3 » ، وكان هو صلى اللّه عليه وسلم يلتزمه « 4 » تطييبا لنفوسهنّ ، وصونا لهنّ عن أقوال الغيرة التي ربما ترقّت إلى ما لا ينبغي .
هامش
( 1 ) صفحة 1540 وما بعدها .
( 2 ) في م : مجددة .
( 3 ) سقوط : أي سقوط القسم .
( 4 ) في م : يلزمه .