وقد رام المحققون من أصحاب الشافعي بأن يجعلوا انعقاد النكاح بلفظه تعبّدا ، كانعقاد الصلاة بلفظ اللّه أكبر ، ويأبون ما بين العقود والعبادات . وقد حققنا في مسائل الخلاف الأمر ، وسنبيّنه في سورة الأحزاب إن شاء اللّه تعالى .
المسألة الثالثة - ابتداؤه بالرجل قبل المرأة في قوله :
أُنْكِحَكَ
، وذلك لأنه المقدم في العقد ، الملتزم للصّداق والنفقة ، القيّم على المرأة ، وصاحب الدرجة عليها في حق النكاح .
وأبين من هذا قوله في سورة الأحزاب « 1 » :
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها
، فبدأ بالنبي صلى اللّه عليه وسلم قبل زينب ، وهو شرعنا الذي لا خلاف في وجوب الاقتداء به .
المسألة الرابعة - قوله تعالى :
إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ
.
هذا يدلّ على أنه عرض لا عقد ، لأنه لو كان عقدا لعيّن المعقود عليها له ، لأن العلماء - وإن كانوا قد اختلفوا في جواز البيع إذا قال له : بعتك أحد عبدىّ هذين بثمن كذا فإنهم اتفقوا على أنّ ذلك لا يجوز في النكاح ، لأنه خيار ، ولا شيء من الخيار يلصق بالنكاح .
وقد روى أنه قال : أيتهما تريد ؟ قال : الصغرى . ثم قال موسى : لا ، حتى تبرئها مما في نفسك ، يريد حين قالت له :
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
، فامتلأت نفس صالح مدين غيره ، وظنّ أنه قد كانت بينهما مراجعة في القول ومؤانسة ، فقال : من أين علمت ذلك ؟ فقالت : أما قوّته فرفعه الحجر من فم البئر وحده ، وكان لا يرفعه إلا عشرة رجال ، وأما أمانته فحين مشيت قال لي : كوني ورائي ، كما تقدم ذكره ، فحينئذ سكنت نفسه ، وتمكّن أنسه .
المسألة الخامسة -
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ
. هل يكون هذا القول إيجابا أم لا ؟
وقد اختلف الناس في الاستدعاء ، هل يكون قبولا ؟ كما إذا قال : بعني ثوبك هذا .
فقال : بعتك ، هل ينعقد البيع أم لا ؟ حتى يقول الآخر قبلت ، على قولين :
فقال علماؤنا : ينعقد ، وإن تقدّم القبول على الإيجاب بلفظ الاستدعاء لحصول الغرض من الرضا به ، على أصلنا ، فإنّ الرضا بالقلب « 2 » هو الذي يعتبر كما وقع اللفظ ، فكذلك إذا
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب ، آية 37 .
( 2 ) في م : بالقول .