لكن العلماء من الصحابة ومن بعدهم حملوا عليهم غيرهم ، وألحقوا بهم من سواهم ممن كان في معناهم ، ويرجعون في الجملة إلى ثلاثة أصناف :
الصنف الأول - الكفار باللّه ، واليوم الآخر ، والأنبياء ، والتكليف ، فإنّ اللّه زيّن لكل أمة عملهم ، إنفاذا لمشيئته ، وحكما بقضائه ، وتصديقا لكلامه .
الصنف الثاني - أهل التأويل الفاسد الدليل الذين أخبر اللّه عنهم بقوله « 1 » :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
، كأهل حروراء والنهروان ، ومن عمل بعملهم اليوم ، وشغّب الآن على المسلمين تشغيب أولئك حينئذ ، فهم مثلهم وشرّ منهم .
قال علي بن أبي طالب يوما ، وهو على المنبر : لا يسألني أحد عن آية من كتاب اللّه إلّا أخبرته ، فقام ابن الكواء ، فأراد أن يسأله عما سأل عنه صبيغ « 2 » عمر بن الخطاب ، فقال :
ما الذاريات ذروا ؟ قال علىّ : الرياح . قال : ما الحاملات وقرا ؟ قال : السحاب . قال : فما الجاريات يسرا ؟ قال : السفن . قال : فما المقسّمات أمرا ؟ قال : الملائكة . قال : فقول اللّه تعالى « 3 » :
هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا
؟ قال : ارق إلىّ أخبرك . قال : فرقى إليه درجتين ، قال : فتناوله بعصا كانت بيده ، فجعل يضربه بها . ثم قال : أنت وأصحابك
، وهذا بناء على القول بتكفير المتأولين . وقد قدمنا نبذة منه ، وتمامها في كتب الأصول .
الصنف الثالث - الذين أفسدوا أعمالهم بالرياء وضيّعوا أحوالهم بالإعجاب ، وقد أتينا على البيان في ذلك من قبل ، ويلحق بهؤلاء الأصناف كثير ، وهم الذين أفنوا زمانهم النفيس في طلب الخسيس . كان شيخا الطوسي الأكبر يقول : لا يذهب بكم الزمان في مصاولة الأقران ومواصلة الإخوان . وقد ختم الباري البيان ، وختم البرهان بقوله « 4 » :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
.
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية 7 .
( 2 ) صبيغ كأمير ابن عسيل كان يعنت الناس بالغوامض والسؤالات فنفاه عمر إلى البصرة ( القاموس ) وفي الأصل : صبيع - بالعين .
( 3 ) سورة الكهف ، آية 104 .
( 4 ) آية 110 .