تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1205

مساهمون:

ص١٢٠٥
صبّارا ، وكان يأخذ لعياله قوت سنتهم حين أفاء اللّه عليه النضير وفدك وخيبر ، ثم يصرف ما بقي في الحاجات ، حتى يأتي أثناء الحول وليس عنده شيء ، فلم يدخل في هذا الخطاب بإجماع من الأمة ، لما هو عليه من الخلال والجلال ، وشرف المنزلة ، وقوة النفس على الوظائف ، وعظيم العزم على المقاصد ، فأما سائر الناس فالخطاب عليهم وارد ، والأمر والنهى - كما تقدم - إليهم متوجّه ، إلا أفرادا خرجوا من ذلك بكمال صفاتهم ، وعظيم أنفسهم ، منهم أبو بكر الصديق ، خرج عن جميع ماله للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقبله منه للّه سبحانه ، وأشار على أبى لبابة وكعب بالثلث من جميع مالهم ، لنقصهم عن هذه المرتبة في أحوالهم ، وأعيان من الصحابة ، كانوا على هذا ، فأجراهم النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وائتمروا بأمر اللّه ، واصطبروا على بلائه ، ولم تتعلّق قلوبهم بدنيا ، ولا ارتبطت أبدانهم بمال منها ، وذلك لثقتهم بموعود اللّه في الرزق ، وعزوب أنفسهم عن التعلّق بغضارة « 1 » الدّنيا . وقد كان في أشياخي من ارتقى إلى هذه المنزلة فما ادّخر قطّ شيئا لغد ، ولا نظر بمؤخر عينه إلى أحد ، ولا ربط على الدنيا بيد ، وقد تحقّق أنّ اللّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، وهو بعباده خبير بصير . الآية السابعة - قوله تعالى « 2 » :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
. فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - روى ابن مسعود عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أنه سئل ، أىّ الذّنب أعظم ؟ قال : أن تجعل للّه نداء ، وهو خلقك . قال : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك . وهذا نصّ صريح وحديث صحيح ، وذلك لأنّ القتل أعظم الذنوب ، إذ فيه إذاية الجنس ، وإيثار النفس ، وتعاطى الوحدة التي لأقوام للعالم بها ، وتخلّق الجنسية بأخلاق السبعيّة ، وإذا كانت مع قوة الأسباب في جار أو قريب ، والولد ألصق القرابة ، وأعظم الحرمة ، فيتضاعف الإثم بتضاعف الهتك للحرمة .
هامش
( 1 ) الغضارة : النعمة والسعة والخصب . ( 2 ) آية 31 . ( 11 - أحكام - 3 )