تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1158

مساهمون:

ص١١٥٨
وهذا قول بعيد ، ما أراه يصحّ عنهم ، ولو صح نقلا لم يصح عقلا ، فإنّ مساق الكلام كله للعسل ، ليس للقرآن فيه ذكر . وكيف يرجع ضمير في كلام إلى ما لم يجر له ذكر فيه ، وإن كان كله منه ؟ ولكنه إنما يراعى مساق الكلام ومنحى القول ، وقد حسم النبىّ في ذلك ذا الإشكال ، وأزاح وجه الاحتمال حين أمر الذي يشتكى بطنه بشرب العسل ، فلما أخبره بأن العسل لما سقاه إياه ما زاده إلا استطلاقا أمره النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بعود الشرب له ، وقال له : صدق اللّه ، وكذب بطن أخيك . المسألة الخامسة - قوله تعالى :
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
. اختلف في محمله ، فقالت طائفة : هو على العموم في كل حال ، ولكل أحد ، كما سقناه من رواية ابن عمر وعوف ، ومنهم من قال : إنه على العموم بالتدبير ، إذ يخلط الخل بالعسل ويطبخ ، فيأتي شرابا ينفع في كل حالة من كل داء . وقد اتّفق الأطباء عن بكرة أبيهم على مدح عموم منفعة السّكنجبين « 1 » في كل مرض . ومنهم من قال : إنّ ذلك على الخصوص ، وليس هذا بأول لفظ عامّ حمل على مقصد خاص ، فالقرآن مملوء منه ، ولغة العرب يأتي فيها العامّ كثيرا بمعنى الخاص ، والخاصّ بمعنى العام . ألا ترى إلى قول الشاعر « 2 » :
أو يرتبط بعض النفوس حمامها
والمراد كلّ النفوس ، إذ لا تخلو نفس من ارتباط الحمام لها . والصحيح عندي أنه يجرى على نية كلّ أحد ، فمن قويت نيّته ، وصحّ يقينه ففعل فعل عوف ، وابن عمر وجده كذلك ، ومن ضعفت نيته وغلبته على الدين عادته أخذه مفهوما على قول الأطباء ، والكلّ من حكم الفعّال لما يشاء .
هامش
( 1 ) شراب - معرب ، أي : خل وعسل . ( 2 ) هو لبيد كما في اللسان . وقال في اللسان : أجمع أهل النحو على أن البعض شيء من أشياء أو شيء من شيء إلا هشاما فإنه زعم أن قول لبيد : أو يعتلق بعض النفوس حمامها . فادعى وأخطأ أن البعض هنا جمع ولم يكن هذا من عمله . وإنما أراد لبيد ببعض النفوس نفسه . وصدر البيت كما في الجمهرة ( 319 ) ، وديوان لبيد 313 :وتراك أمكنة إذا لم أرضها