تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
زكرياء لما حملت زوجة منه يحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا ، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر اللّه ، فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه ، ويحتمل على هذا أن يكون قوله
اجْعَلْ لِي آيَةً
معناه علامة أعرف بها أن الحمل قد وقع ، وبذلك فسر الزجاج . ومعنى قوله
سَوِيًّا
فيما قال الجمهور صحيحا من غير علة ولا خرس ، وقال ابن عباس أيضا ذلك عائد على « الليالي » أراد كاملات مستويات ، وقوله
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ
المعنى أن اللّه تعالى أظهر الآية بأن خرج زكرياء من محرابه وهو موضع مصلاة ، و
الْمِحْرابِ
أرفع المواضع والمباني إذ هي تحارب من ناوأها ثم خص بهذا الاسم مبنى الصلاة ، وكانوا يتخذونها فيما ارتفع من الأرض ، واختلف الناس في اشتقاقه ، فقالت فرقة : هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات ، وقالت فرقة : هو مأخوذ من الحرب بفتح الراء كأن ملازمه يلقى منه حربا وتعبا ونصبا ، وفي اللفظ بعد هذا نظر . وقوله
فَأَوْحى
قال قتادة وابن منبه : كان ذلك بإشارة ، وقال مجاهد : بل بأن كتبه في التراب . قال القاضي أبو محمد : وكلا الوجهين وحي . وقوله
أَنْ سَبِّحُوا
،
أَنْ
مفسرة بمعنى « أي » ، و
سَبِّحُوا
قال قتادة : معناه صلوا ، والسبحة الصلاة ، وقالت فرقة : بل أمرهم بذكر اللّه وقول سبحان اللّه . وقرأ طلحة « أن سبحوه » بضمير ، وباقي الآية بين ويقال « وحي وأوحى » بمعنى واحد . قوله عزّ وجل :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 12 إلى 15 ]

يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 ) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 ) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) المعنى فولد له وقال اللّه تعالى للمولود
يا يَحْيى
، وهذا اختصار ما يدل الكلام عليه . و
الْكِتابَ
التوراة بلا اختلاف لأنه ولد قبل عيسى ولم يكن الإنجيل موجودا عند الناس . وقوله
بِقُوَّةٍ
أي العلم به والحفظ له والعمل به والالتزام للوازمه ثم أخبر اللّه تعالى فقال
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
، واختلف في
الْحُكْمَ
، فقالت فرقة الأحكام والمعرفة بها ، و
صَبِيًّا
يريد شابا لم يبلغ حد الكهول . وقال الحسن
الْحُكْمَ
النبوءة ، وفي لفظة صبي على هذا تجوز واستصحاب حال ، وقالت فرقة
الْحُكْمَ
الحكمة ، وروى معمر في ذلك أن الصبيان دعوه وهو طفل إلى اللعب فقال إني لم أخلق للعب فتلك الحكمة التي آتاه اللّه عزّ وجل وهو صبي أهم لذاته اللعب . وقال ابن عباس : من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممن « أوتي الحكم صبيا » ، وقوله
وَحَناناً
عطف على قوله
الْحُكْمَ
وَزَكاةً
عطف عليه ، أعمل في جميع ذلك
آتَيْناهُ
، ويجوز أن يكون قوله
وَحَناناً
عطفا على قوله
صَبِيًّا
، أي وبحال حنان منا وتزكية له والحنان الرحمة والشفقة والمحبة قاله جمهور المفسرين ، وهو تفسير اللغة . وهو فعل من أفعال النفس ويقال حنانك وحنانيك ، فقيل هما لغتان بمعنى واحد ، وقيل حنانيك تثنية الحنان . وقال عطاء بن أبي رباح
حَناناً مِنْ لَدُنَّا
بمعنى تعظيما من لدنا . والحنان في كلام العرب أيضا ما عظم من الأمور في ذات اللّه تعالى ، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل في خبر بلال بن رباح « واللّه لئن قتلتم هذا
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 7 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى