تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
و
مَرْيَمَ
هي بنت عمران أم عيسى أخت أم يحيى واختلف الناس لم
انْتَبَذَتْ
والانتباذ التنحي . فقال السدي
انْتَبَذَتْ
لتطهر من حيض ، وقال غيره لتعبد اللّه وهذا أحسن ، وذلك أن مريم كانت وقفا على سدانة المتعبد وخدمته والعبادة فيه فتنحت من الناس لذلك . وقوله
شَرْقِيًّا
يريد في جهة الشرق من مساكن أهلها ، وسبب كونه في الشرق أنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلق الأنوار ، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها ، حكاه الطبري . وحكي عن ابن عباس أنه قال إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة ؟ لقول اللّه عزّ وجل
إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة ، وقال بعض الناس « الحجاب » هي اتخذته لتستتر به عن الناس لعبادتها . فقال السدي كان من جدرات ، وقيل من ثياب ، وقال بعض المفسرين اتخذت المكان بشرقي المحراب ، و « الروح » جبريل ، وقيل عيسى ، حكى الزجاج القولين . فمن قال إنه جبريل قدر الكلام فتمثل هو لها ، ومن قال إنه عيسى قدر الكلام فتمثل الملك لها ، قال النقاش ومن قرأ « روحنّا » مشددة النون جعله اسم ملك من الملائكة ولم أر هذه القراءة لغيره . واختلف الناس في نبوة مريم فقيل كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملك ، وقيل لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر ورؤيتها لملك ، كما رئي جبريل في صفة دحية وفي سؤاله عن الإسلام والأول أظهر . وقوله تعالى
أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ
الآية ، المعنى قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشرا لما رأته قد خرق الحجاب الذي اتخذته ، فأساءت به الظن
أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ
ذا تقى ، قال أبو وائل علمت أن « التقي » ذو نهية ، وقال وهب بن منبه « تقي » رجل فاجر كان في ذلك الزمن في قومها فلما رأته متسورا عليها ظنته إياه فاستعاذت بالرحمن منه ، حكى هذا مكي وغيره ، وهو ضعيف ذاهب مع التخرص ، فقال لها جبريل عليه السلام
إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
، جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله . وقرأ الجمهور « لأهب » كما تقدم ، وقرأ عمرو ونافع « ليهب » بالياء أي ليهب اللّه لك ، واختلف عن نافع . وفي مصحف ابن مسعود « ليهب اللّه لك » ، فلما سمعت مريم ذلك واستشعرت ما طرأ عليها استفهمت عن طريقه وهي لم يمسها بشر بنكاح ولم تكن زانية . و « البغي » ، المجاهرة المنبهرة في الزنا فهي طالبة له بغوى على وزن فعول كبتول وقتول ولو كانت فعيلا لقوي أن يلحقها هاء التأنيث فيقال بغية . قوله عزّ وجل :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 21 إلى 23 ]

قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) المعنى قال لها الملك
كَذلِكِ
هو كما وصفت ولكن
قالَ رَبُّكِ
ويحتمل أن يريد على هذه الحال
قالَ رَبُّكِ
والمعنى متقارب والآية العبرة المعرضة للنظر ، والضمير في قوله
لِنَجْعَلَهُ
للغلام ،
وَرَحْمَةً مِنَّا
معناه طريق هدى لعالم كثير ، فينالون الرحمة بذلك ، ثم أعلمها بأن الأمر قد قضي وانتجز ،