معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة » ، ويوهنه ذكر « العاقر » . والأكثر من المفسرين على أنه أراد وراثة المال ، ويحتمل قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « إنا معشر الأنبياء لا نورث » أن لا يريد به العموم بل على أنه غالب أمرهم فتأمله ، والأظهر الأليق « بزكريا » عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين فتكون الوراثة مستعارة ، ألا ترى أنه إنما طلب
وَلِيًّا
، ولم يخصص ولدا فبلغه اللّه أمله على أكمل الوجوه . وقال أبو صالح وغيره : قوله
يَرِثُنِي
يريد المال ، وقوله
وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
يريد العلم والنبوة . وقال السدي :
رغب « زكريا » في الولد . و
خِفْتُ
من الخوف هي قراءة الجمهور وعليها هو هذا التفسير ، وقرأ عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاصي وابن يعمر وابن جبير وعلي بن الحسين وغيرهم « خفّت » بفتح الخاء والفاء وشدها وكسر التاء على إسناد الفعل إلى
الْمَوالِيَ
والمعنى على هذا انقطع أوليائي وماتوا ، وعلى هذه القراءة فإنما طلب
وَلِيًّا
يقول بالدين ، و
الْمَوالِيَ
بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب . وقوله
مِنْ وَرائِي
أي من بعدي في الزمن فهم الولاء على ما بيناه في سورة الكهف ، وقال أبو عبيدة في هذه الآية أي من بين يدي ومن أمامي وهذا قلة تحرير . وقرأ ابن كثير « من ورائي » بالمد والهمز وفتح الياء ، وقرأ أيضا ابن كثير « من ورأي » بالياء المفتوحة مثل عصاي ، والباقون همزوا ومدوا وسكنوا الياء . و « العاقر » من النساء التي لا تلد من غير كبرة وكذلك العاقر من الرجال .
ومنه قول عامر بن الطفيل :
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا * جبانا فما عذري لدى كل محضر
و « زكريا » عليه السلام لما رأى من حاله إنما طلب
وَلِيًّا
ولم يصرح بولد لبعد ذلك عنده بسبب المرأة ، ثم وصف الولي بالصفة التي هي قصده وهو أن يكون وارثا . وقالت فرقة : بل طلب الولد ثم شرط أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه تحفظا من أن تقع الإجابة في الولد لكن يخترم فلا يتحصل منه الغرض المقصود . وقرأ الجمهور « ويرثني » برفع الفعلين على معنى الصفة للولي وقرأ أبو عمرو والكسائي « يرثني ويرث » بجزم الفعلين ، وهذا على مذهب سيبويه ليس هو جواب « هب » إنما تقديره « إن تهبه يرثني » ، والأول أصوب في المعنى لأنه طلب وارثا موصوفا ، ويضعف الجزم أنه ليس كل موهوب يرث . وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما « يرثني وارث من آل يعقوب » ، قال أبو الفتح هذا هو التجريد ، التقدير : يرثني منه أو به وارث ، وقرأ مجاهد « يرثني ويرث » بنصب الفعلين ، وقرأت فرقة « يرثني أو يرث من آل يعقوب » على التصغير . وقوله من
آلِ يَعْقُوبَ
يريد يرث منهم الحكمة والحبورة والعلم والنبوءة والميراث في هذه كلها استعارة و
رَضِيًّا
معناه مرضي فهو فعيل بمعنى مفعول .
قوله عزّ وجل :
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 7 إلى 11 ]
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 )