تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
موضع نصب بالاستثناء ويصح أن يكون في موضع رفع كما يجوز الوجهان في قولك ما في الدار أحد إلا حمارا وإلا حمار والنصب أوجه و
مَنْ
على هذه التأويلات للشافع ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه . وقوله تعالى :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
قالت فرقة يريد الملائكة ، وقالت فرقة يريد خلقه أجمع ، وقد تقدم القول في ترتيب « ما بين اليد وما خلف » في غير موضع على أن جماعة من المفسرين قالوا في هذه الآية
ما خَلْفَهُمْ
الدنيا و
ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
أمر الآخرة والثواب والعقاب ، وهذا بأن نفرضها حالة وقوف حتى نجعلها كالأجرام وأما إن قدرناها في نسق الزمان فالأمر على العكس بحكم ما بيناه قبل .
وَعَنَتِ
معناه ذلت ، والعاني الأسير ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم في أمر النساء : « هن عوان عندكم » وهذه حالة الناس يوم القيامة . وقال طلق بن حبيب : أراد سجود الناس على الوجوه والآراب السبعة . قال القاضي أبو محمد : وإن كان روي هذا أن الناس يوم القيامة سجودا وجعل هذه الآية إخبارا فهو مستقيم وإن كان أراد سجود الدنيا فإنه أفسد نسق الآية ، و
الْقَيُّومِ
بناء مبالغة من قيامه عزّ وجل على كل شيء بما يجب فيه ، و
خابَ
معناه لم ينجح ولا ظفر بمطلوبه ، والظلم يعم الشرك والمعاصي وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم فخيبة المشرك على الإطلاق ، وخيبة المعاصي مقيدة بوقت وحد في العقوبة . قوله عزّ وجل :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 112 إلى 114 ]

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً ( 112 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ( 113 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ( 114 ) قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ
عادل لقوله
مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
[ طه : 111 ] ، وفي قوله
مِنَ الصَّالِحاتِ
تيسير في الشرع لأنها
مَنْ
التي للتبعيض ، و « الظلم » أعم من « الهضم » وهما يتقاربان في المعنى ويتداخلان ، ولكن من حيث تناسقا في هذه الآية ذهب قوم إلى تخصيص كل واحد منهما بمعنى ، فقالوا « الظلم » أن تعظم عليه سيئاته وتكثر أكثر مما يجب ، و « الهضم » أن ينقض حسناته ويبخسها ، وكلهم قرأ
فَلا يَخافُ ظُلْماً
على الخبر ، غير ابن كثير فإنه قرأ « فلا يخف » على النهي ، ثم قال تعالى :
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ
أي كما قدرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد كذلك حذرنا هؤلاء أمرنا و
أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
وتوعدنا فيه بأنواع من الوعيد
لَعَلَّهُمْ
بحسب توقع البشر وترجيهم
يَتَّقُونَ
اللّه ويخشون عقابه فيؤمنون ويتذكرون نعمه عندهم وما حذرهم من أليم عقابه ، هذا تأويل فرقة في قوله
أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً
وقالت فرقة معناه أو يكسبهم شرفا ويبقي عليهم إيمانهم ذكرا صالحا في الغابرين ، وقرأ الحسن البصري « أو يحدث » ساكنة الثاء ، وقرأ مجاهد « أو نحدث » بالنون وسكون الثاء ولا وجه للجزم إلا على أن يسكن حرف الإعراب استثقالا لحركته ، وهذا نحو قول جرير ولا يعرفكم العرب . وقوله
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ
ختم للقول لأنه لما قدم صفة سلطانه يوم القيامة وعظم قدرته وذلة عبيده وحسن تلطفه